تأليف سلام اليماني

اللؤلؤة
أجمل الحكايات

عندَ الفجرِ انطلقَ سعدٌ إلى مدينةِ دُبَيّ مشياً بحذى الشاطئ ، وانطلقَ الحراسُ الثلاثةُ خلفَه بعدَ مدّة ، ليمارسوا فعلَ اللصوصِ وقطّاعِ الطرق . وعلى الشاطئِ الرمليِّ الخالي من الناس ، التفتَ سعدٌ إلى ورائهِ ليطمئنّ ، فرأى الحرّاس الثلاثةَ مسرعينَ إليهِ فأحسَّ بالشرِّ وبدأ يركض . ركضَ اللصوصُ خلفَ سعدٍ وكانت مطاردةً عنيفة . توقّفَ سعدٌ لحظةً يفكّرُ : أينَ الْمَفرّ ؟ البحرُ عن يمينِهِ والصحراءُ أمامَه وعن يسارِه ، واللصوصُ خلفَه بسيوفٍ مرفوعةٍ لامعة . أيقنَ أنهُ إن أعطاهم اللؤلؤةَ فسوف يقتلونَهُ لا محالَة فهو خصْمٌ وشاهِد . فألقى اللؤلؤةَ في البحرِ بكلِّ ما يستطيعُ من قوّة . في نفسِ اللحظةِ وصلَ اللصوصُ إليهِ فقالَ : غوصوا واسترجِعوها . قالَ أشدُّهم شرّاً وعدوانيّة : بل تغوصُ أنت وتأتينا بها ، أو نقتلُك . قالَ سعدٌ في نفسِهِ : هذا بالضبطِ ما أريدُه . وقذفَ نفسَه في البحرِ وسبح وسبح ، ثم غاصَ تحتَ الماءِ وابتعدَ قدْرَ استطاعتِه .. وما زالَ يسبحُ ويغوصُ حتى وصلَ إلى قريتِه ، ونادى على قومِه وحكى الحكاية .‏ أمّا اللصوصُ فكانوا يتابعونَهُ على الشاطئ حتى صاروا على مَقرُبةٍ من القرية . وعندَما شاهدوا اجتماعَ الغوّاصين ، أدركوا أنهم قد انكشفوا فهربوا مسرعين . وعانقَ سعدٌ رجالَ قومِهِ فرِحاً بسلامته.

من اللصوصِ ومن اتّهام التجّار . قال سعدٌ مصرّاً على رأيِه : كلاّ ، كلاّ . السكوتُ أفضل . ومعَ الفجرِ أنطلقُ بها إلى مدينةِ دُبَيّ ، فأبيعُها وتنتهي الحكاية . كان في الكوخِ المجاورِ ثلاثةٌ من حُرّاسِ مركَبِ الغوص ، وهم رجالٌ شَرِسونَ مسلّحونَ بالسيوفِ والخناجر ، يستأجرُهم التجّارُ طيلةَ الموسم ، فيحرسونَ اللؤلؤ على السفينةِ وفي الطريقِ إلى مدينة دبيّ ، ثم ينتظرون حتى الموسمِ القادم . من خلالِ السَعَفِ والطينِ سمعَ الحرّاسُ حِوارَ سعدٍ وزوجتهِ ، وقرّروا أن يسلُبوه اللؤلؤة .

سبحَ مسافاتٍ طويلةً رغمَ وجودِ أسماكِ القرشِ المفترسة ، ووصلَ إلى إحدى المغاصات . وبينَ الأملِ في العثورِ على بعضِ اللؤلؤِ والخوفِ من القرشِ المفترس ، حصلَ أخيراً على مَحارةٍ شديدةِ الضخامة . استلَّ سِكّينَهُ وفتحَ المحارةَ تحتَ الماء ، فوجدَ فيها أكبرَ لؤلؤةٍ رآها أو سمعَ عنها في حياتِه ، فأخرجَها من لَحمِ المحارةِ ووضعَها في جعبتِهِ وصعِدَ إلى سطحِ الماء ، واتجهَ سابحاً إلى الشاطئ بدأ جسمُهُ يتشنّجُ وسطَ الماء ، ولعلّ ذلك لاشتدادِ خوفِهِ على حياتِهِ من أسماكِ القرشِ بعدَ أن صارت الثروةُ في جعبتِهِ . وفجأةً ساعدَهُ الحظُّ باقترابِ سِربٍ من الدلافينِ أعداءِ سمكِ القرش ، فانخرطَ بين الدلافينِ يسبحُ معها مقترباً من الرمل ، ثمّ غادرَها سابحاً بكلِّ عزمِهِ إلى الشاطئ . جلسَ على الشاطئِ يستردُّ أنفاسَه ، ثم فتحَ الجعبةَ واطمأنَّ على اللؤلؤة ، وأطبَقَ عليها بجُمعِ يدِهِ وسارَ إلى كوخِهِ متظاهراً بعدمِ الاهتمام ، كي لا ينتبِهَ إليهِ أحدٌ فينكشفُ سرُّه . في الكوخ قالَ لزوجته : هذه اللؤلؤةُ ستجعلُنا أغنياءَ وتخلّصُني من العملِ بالأجرة ، فلا تخبري أحداً عنها على الإطلاق . أخاف أن يعلَمَ اللصوصُ فيسلبوني إيّاها ، أو يعلمَ التجّارُ أربابُ العمل ، فيتهموني بسرقتِها خلالَ الموسم . قالت زوجتُه : بالعكسِ يا سعد أخبِرْ جميعَ أهلِ القرية إنهم قومُنا وبهم تحمي نفسَكَ

يعيشُ سعدٌ مع زوجتِهِ في قريةٍ صغيرةٍ على شاطئِ الخليجِ العربيّ ، يحترفُ سكّانُها الغوصُ لاستخراجِ اللؤلؤ . إنهم قومٌ من فقراءِ العرب أمّا قُراهم فهي أعشاشٌ من سعَفِ النخيل ، مكسوَّةً بطبقةٍ رقيقةٍ من الطين لسدِّ الفَجوات . والغوّاصون رجالٌ أقوياءُ الأجسام ، يستأجرُهم تجّارُ اللؤلؤِ عندَ اشتدادِ حرِّ الصيفِ وهو موسمُ اللؤلؤ ، ويأخذونَهم في مراكبَ خاصّةٍ ، ويبتعدونَ عن الشاطئِ مسافاتٍ طويلةً حيثُ المَغاصاتُ الغنيّةُ بالْمَحارِ .‏ يهبِطُ الغوّاصونَ إلى أعماقِ الخليجِ فيجمعونَ المحارَ ويُخرجونَهُ إلى سطحِ المركَب ، حيث يقومُ عمّالٌ آخَرونَ بفتحِهِ تحتَ رِقابةِ التاجِرِ ربِّ العمل ، ويستخرجونَ ما في بعضِهِ من اللؤلؤ . وفي نهايةِ الموسمِ يوزِّعُ ربُّ العملِ على العامِلينَ أجوراً متفاوِتةَ المقاديرِ من التمرِ والأرزِّ وطحينِ القمح ، مؤونةَ غذاءٍ قد تكفيهم طيلةَ العام . مِن هؤلاءِ الغوّاصينَ سعدُ بنُ حمدان . غوّاصٌ فقيرٌ يشتهرُ بقوّة الجسمِ وطولِ البقاءِ تحتَ الماء ، وبالمهارةِ في معرفةِ مَحارِ اللؤلؤ . لكنّ قدراتِهِ هذه لا تجعلُ أجورَهُ أكثرَ من زملائهِ إلا قليلاً ، الأمرُ الذي يزعجُهُ بالليلِ والنهار ، إذ يرى نفسَهُ يتسبّبُ للتجّارِ بالغنى ويبقى من الفقراء . مرّةً بعد انتهاء الموسمِ وانصرافِ المراكِب ، قرّرَ سعدٌ أن يقومَ بمغامرةٍ في الخليجِ ويجرّبَ حظّه .