كيد النساء وكيد الرجال
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من ملوك الزمان كان كثير الجند والأعوان وصاحب جاه وأموال ولكنه بلغ من العمر مدة ولم يرزق ولداً ذكراً فلما قلق الملك توسل إلى الله تعالى وسأله أن يرزقه بولد ذكر حتى يرث الملك من بعده ويكون قرة عينه ثم قام من وقته وساعته ودخل قاعة جلوسه وأرسل إلى زوجته فواقعها ، فحملت بإذن الله تعالى ومكثت مدة حتى آن أوان وضعها ، فولدت ولداً ذكراً وجهه مثل دورة القمر ليلة أربعة عشر فتربى ذلك الغلام إلى أن بلغ من العمر خمس سنين وكان عند ذلك الملك رجل حكيم من الحكماء الماهرين يسمى السندباد فسلم إليه ذلك الغلام فلما بلغ من العمر عشر سنين علمه الحكمة والأدب إلى أن صار ذلك الولد ليس أحد في هذا الزمان يناظره في العلم والأدب والفهم . فلما بلغ والده ذلك أحضر له جماعة من فرسان العرب يعلمونه الفروسية فمهر فيها وصال وجال في حومة الميدان إلى أن فاق أهل زمانه وسائر أقرانه ففي بعض الأيام نظر ذلك الحكيم في النجوم فرآها طالع الغلام وأنه متى عاش سبعة أيام وتكلم بكلمة صار فيها هلاكه، فذهب الحكيم إلى الملك والده وأعلمه بالخبر ، فقال له والده : فما يكون الرأي والتدبير يا حكيم ، فقال له الحكيم : أيها الملك ، الرأي والتدبير عندي أن تجعله في مكان نزهة وسماع آلات مطربة يكون فيها إلى أن تمضي السبعة أيام . فأرسل الملك إلى جارية من خواصه ، وكانت أحسن الجواري فسلم إليها الولد وقال لها : خذي سيدك في القصر واجعليه عندك ولا ينزل من القصر إلا بعد سبعة أيام تمضي فأخذته الجارية وأجلسته في ذلك القصر وكان في القصر أربعون حجرة وفي كل حجرة عشر جوار وكل جارية معها آلة من آلات الطرب إذا ضربت واحدة منهن تراقص من نغمتها ذلك القصر وحوله نهر جار مزروع شاطئه بجميع الفواكه والمشمومات وكان ذلك الولد فيه من الحسن والجمال ما لا يوصف فبات ليلة واحدة فرأته الجارية محظية والده فطرق العشق قلبها فلم تتمالك أن رمت نفسها عليه . فقال لها : الولد إن شاء الله تعالى حين أخرج عند والدي أخبره بذلك فيقتلك . فتوجهت الجارية إلى الملك ، ورمت نفسها بالبكاء والنحيب ، فقال لها : ما خبرك يا جارية كيف سيدك أما هو طيب؟ فقالت : يا مولاي إن سيدي راودني عن نفسي وأراد قتلي على ذلك فمنعته وهربت منه وما بقيت أرجع إليه ولا إلى القصر أبداً . فلما سمع والده ذلك الكلام حصل له غيظ عظيم فأحضر عنده الوزراء وأمرهم بقتله ، فقالوا لبعضهم : إن الملك صمم على قتل ولده وإن قتله يندم عليه بعد قتله لا محالة فإنه عزيز عنده وما جاء هذا الولد إلا بعد اليأس ، ثم بعد ذلك يرجع عليكم باللوم فيقول لكم تدبروا لي تدبيراً يمنعني من قتله ، فاتفق رأيهم على أن يدبروا له تدبيراً يمنعه عن قتل ولده
|
|
فتقدم الوزير الأول وقال : أنا أكفيكم شر الملك في هذا اليوم . فقام ومضى إلى أن دخل على الملك وتمثل بين يديه ثم استأذنه في الكلام فأذن له فقال له : أيها الملك لو قدر أنه كان لك ألف ولد لم تسمح نفسك في أن تقتل واحداً منهم بقول جارية فإنها إما أن تكون صادقة أو كاذبة ، ولعل هذه مكيدة منها لولدك ، فقال : وهل بلغك شيء من كيدهن أيها الوزير ؟ قال : نعم بلغني أيها الملك أنه كان ملك من ملوك الزمان مغرماً بحب النساء ، فبينما هو قاعد في قصره يوماً من الأيام إذ وقعت عينه على جارية وهي على سطح بيتها وكانت ذات حسن وجمال ، فلما رآها لم يتمالك نفسه من المحبة فسأل عن ذلك البيت فقالوا له : هذا البيت لوزيرك فلان فقام من ساعته وأرسل إلى الوزير ، فلما حضر بين يديه أمره أن يسافر في بعض جهات المملكة ليطلع عليها ثم يعود ، فسافر الوزير كما أمره الملك . فلما رأته الجارية عرفته فوثبت على قدميها وقبلت يديه ورجليه فرحبت به ووقفت بعيداً عنه مشتغلة بخدمته ، ثم قالت : يا مولانا ما سبب القدوم المبارك ومثلي لا يكون له ذلك ؟ فقال : سببه أن عشقك والشوق إليك قد أرماني على ذلك ، فقبلت الأرض بين يديه ثانياً وثالثاً وقالت له : يا مولاي أنا لا أصلح أن أكون جارية لبعض خدام الملك فمن أين يكون لي عندي هذا الحظ حتى صرت عندك بهذه المنزلة ؟ فمد الملك يده إليها ، فقالت : هذا الأمر لا يفوتنا ولكن صبراً أيها الملك وأقم عندي هذا اليوم كله حتى أصنع لك شيئاً تأكله ، قال : فجلس الملك على مرتبة وزيره ثم نهضت قائمة وأتته بكتاب فيه من المواعظ والأدب ليقرأ فيه حتى تجهز له الطعام فأخذه الملك وجعل يقرأ فيه فوجد فيه من المواعظ والحكم ، وما زجره عن الزنا وكسر همته عن ارتكاب المعاصي .
فلما جهزت له الطعام قدمته بين يديه وكانت عنده الصحون تسعين صحناً فجعل الملك يأكل من كل صحن ملعقة ، والطعام أنواع مختلفة وطعمها واحد فتعجب الملك من ذلك غاية العجب ، ثم قال : أيتها الجارية أرى هذه الأنواع كثيرة وطعمها واحد ، فقالت له الجارية : أسعد الله الملك هذا مثل ضربته لك لتعتبر به . فقال لها : وما سببه ؟ فقالت : أصلح الله حال مولانا الملك إن في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهن واحد . فلما سمع الملك هذا الكلام خجل منها وقام من وقته وخرج من المنزل ولم يتعرض لها بسوء ومن خجله نسي خاتمه عندها تحت الوسادة ، ثم توجه إلى قصره فلما جلس الملك في قصره حضر الوزير في ذلك الوقت وتقدم إلى الملك وقبل الأرض بين يديه وأعلمه بحال ما أرسله إليه ، ثم سار الوزير إلى أن دخل بيته وقعد على مرتبته ومد يده تحت الوسادة فلقي خاتم الملك تحتها فرفعه الوزير وحمله على قلبه وانعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير انعزل عن الجارية مدة سنة كاملة ولم يكلمها وهي لا تعلم ما سبب غيظه، فلما طال بها المطال ولم تعلم ما سبب ذلك أرسلت إلى أبيها وأعلمته بما جرى لها معه من انعزاله عنها مدة سنة كاملة ، فقال لها أبوها : إني أشكوه حين يكون بحضرة الملك . فدخل يوماً من الأيام فوجده بحضرة الملك وبين يديه قاضي العسكر، فادعى عليه فقال : أصلح الله تعالى حال الملك إنه كان لي روضة حسنة غرزتها بيدي ، وأنفقت عليها مالي حتى أثمرت وطاب جناها فأهديتها لوزيرك هذا فأكل منها ما طاب له ثم رفضها ولم يسقها فيبس زهرها ، وذهب رونقها وتغيرت حالتها ، فقال الوزير : أيها الملك صدق هذا في مقالته إني كنت أحفظها وآكل منها فذهبت يوماً إليها فرأيت أثر الأسد هناك فخفت على نفسي فعزلت نفسي عنها ، ففهم الملك أن الأثر الذي وجده الوزير هو خاتم الملك الذي نسيه في البيت . فقال الملك عند ذلك لوزيره : ارجع أيها الوزير لروضتك وأنت آمن مطمئن فإن الأسد لم يقربها وقد بلغني أنه وصل إليها ولكن لم يتعرض لها بسوء وحرمة آبائي وأجدادي ، فقال الوزير عند ذلك : سمعاً وطاعة ثم إن الوزير رجع إلى بيته وأرسل إلى زوجته وصالحها ووثق بصيانتها .
وبلغني أيها الملك أيضاً أن تاجراً كان كثير الأسفار وكانت له زوجة جميلة يحبها ويغار عليها من كثرة المحبة فاشترى لها درة فكانت الدرة تعلم سيدها بما يجري في غيبته . فلما كان في بعض أسفاره تعلقت امرأة التاجر بغلام كان يدخل عليها فتكرمه وتواصله مدة غياب زوجها، فلما قدم زوجها من سفره وأعلمته الدرة بما جرى وقالت له : يا سيدي غلام تركي كان يدخل على زوجتك في غيابك فتكرمه غاية الإكرام فهم الرجل بقتل زوجته . فلما سمعت ذلك قالت له يا رجل اتق الله وارجع إلى عقلك هل يكون لطير عقل أو فهم وإن أردت أن أبين لك ذلك لتعرف كذبها من صدقها فامض هذه الليلة ونم عند بعض أصدقائك ، فإذا أصبحت فتعال واسألها حتى تعلم هل تصدق هي فيما تقول أو تكذب ، فقام الرجل وذهب إلى بعض أصدقائه فبات عنده . فلما كان الليل عمدت زوجة الرجل إلى قطعة نطع غطت بها قفص الدرة وجعلت ترش على ذلك النطع شيئاً من الماء وتروح عليه بمروحة وتقرب إليها السراج على صورة لمعان البرق وصارت تدير الرحى إلى أن أصبح الصباح . فلما جاء زوجها قالت له : يا مولاي اسأل الدرة ، فجاء زوجها إلى الدرة يحدثها ويسألها عن ليلتها الماضية ، فقالت له : الدرة يا سيدي ومن كان ينظر أو يسمع في تلك الليلة الماضية ، فقال لها : لأي شيء ؟ فقالت : يا سيدي من كثرة المطر والريح والرعد والبرق ، فقال لها : كذبت إن الليلة التي مضت ما كان فيها شيء من ذلك ، فقالت الدرة : ما أخبرتك إلا بما عاينت وشاهدت وسمعت . فكذبها في جميع ما قالته عن زوجته وأراد أن يصالح زوجته فقالت والله ما اصطلح حتى تذبح هذه الدرة التي كذبت علي فقام الرجل إلى الدرة وذبحها ثم أقام بعد ذلك مع زوجته مدة أيام قلائل ثم رأى في بعض الأيام ذلك الغلام التركي وهو خارج من بيته فعلم صدق قول الدرة وكذب زوجته ، فندم على ذبح الدرة ودخل من وقته وساعته على زوجته وذبحها وأقسم على نفسه أنه لا يتزوج بعدها امرأة مدة حياته . وما أعلمتك أيها الملك إلا لتعلم أن كيدهن عظيم والعجلة تورث الندامة فرجع الملك عن قتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن لما كان في اليوم الثاني دخلت عليه الجارية وقبلت الأرض بين يديه وقالت له : أيها الملك كيف أهملت حقي وقد سمع الملوك عنك أنك أمرت بأمر ثم نقضه وزيرك وطاعة الملك من نفاذ أمره وكل واحد يعلم عدلك وإنصافك فانصفني من ولدك ، فقد بلغني أن رجلاً قصاراً يخرج كل يوم إلى شاطئ الدجلة يقصر القماش ويخرج معه ولده فينزل النهر ليعوم فيه مدة إقامته ولم ينهه والده عن ذلك فبينما هو يعوم يوماً من الأيام إذ تعبت سواعده فغرق ، فلما نظر إليه أبوه وثب عليه وترامى إليه ، فلما أمسكه أبوه تعلق به ذلك الولد فغرق الأب والابن جميعاً فكذلك أنت أيها الملك إذا لم تنه ولدك وتأخذ حقي منه أخاف عليك أن يغرق كل منكما . وكذلك بلغني من كيد الرجال أن رجلاً عشق امرأة كانت ذات حسن وجمال وكان لها زوج وكانت تلك المرأة صالحة عفيفة ، ولم يجد الرجل العاشق إليها سبيلاً فطال عليه الحال ففكر في الحيلة، وكان لزوج المرأة غلام رباه في بيته وذلك الغلام أمين عنده، فجاء إليه ذلك العاشق وما زال يلاطفه بالهدية والإحسان إلى أن صار الغلام طوعاً له فيما يطلبه منه، فقال له يوماً من الأيام : يا فلان أما تدخل بي منزلكم إذا خرجت سيدتك منه ، فقال له : نعم . فلما خرجت سيدته إلى الحمام وخرج سيده إلى الدكان جاء الغلام إلى صاحبه وأخذ بيده إلى أن أدخله المنزل ، ثم عرض عليه جميع ما في المنزل وكان العاشق مصمماً على مكيدة يكيد بها المرأة ، فأخذ بياض بيضه معه في إناء ودنا من فراش الرجل وسكبه على الفراش من غير أن ينظر إليه الغلام ثم خرج من المنزل ومضى إلى حال سبيله . ثم بعد ساعة دخل الرجل فأتى الفراش ليستريح عليه فوجد فيه بللاً فأخذه بيده ، فلما رآه ظن في عقله أنه مني رجل فنظر إلى الغلام بعين الغضب ثم قال له : أين سيدتك ؟ فقال له : ذهبت إلى الحمام وتعود في هذه الساعة فتحقق ظنه وغلب على عقله أنه مني رجل ، فقال للغلام أخرج في هذه الساعة وأحضر سيدتك . فلما حضرت بين يديه وثب قائماً إليها وضربها ضرباً عنيفاً ثم كتفها وأراد أن يذبحها ، فصاحت على الجيران فأدركوها فقالت لهم : إن هذا الرجل يريد أن يذبحني ولا أعرف لي ذنباً ، فقام عليه الجيران وقالوا له : ليس لك عليها سبيل إما أن تطلقها وإما أن تمسكها بمعروف فإنا نعرف عفافها وهي جارتنا مدة طويلة ولم نعلم عليها سوءاً أبداً ، فقال : إني رأيت في فراشي منياً كمني الرجال وما أدري سبب ذلك فقام رجل من الحاضرين وقال له : أرني ذلك . فلما رآه الرجل قال : أحضر لي ناراً ووعاء فلما أحضر له ذلك أخذ البياض قلاه على النار وأكل منه الرجل وأطعم الحاضرين ، فتحقق الحاضرون أنه بياض بيض فعلم الرجل أنه ظلم زوجته وأنها بريئة من ذلك، ثم دخل عليه الجيران وصالحوه هو وإياها بعد أن طلقها وبطلت حيلة ذلك الرجل فيما دبره من المكيدة لتلك المرأة وهي غافلة
|
|
فاعلم أيها الملك أن هذا من كيد الرجال فأمر الملك بقتل ولده فتقدم الوزير الثاني وقبل الأرض بين يديه وقال له : أيها الملك لا تعجل على قتل ولدك فإن أمه ما رزقته إلا بعد يأس ، ونرجو أن يكون ذخيرة في ملكك وحافظاً على مالك فتصبر أيها الملك لعل له حجة يتكلم بها فإن عجلت على قتله ندمت كما ندم الرجل التاجر ، قال له الملك : وكيف كان ذلك وما حكايته يا وزير ؟ قال : بلغني أيها الملك أنه كان تاجر لطيف في مأكله ومشربه ، فسافر يوماً من الأيام إلى بعض البلاد، فبينما هو يمشي في أسواقها وإذا بعجوز معها رغيفان ، فقال لها : هل تبيعيهما ؟ فقالت له : نعم ، فساومها بأرخص ثمن واشتراهما منها وذهب بهما منزله فأكلهما ذلك اليوم . فلما أصبح الصباح عاد إلى ذلك المكان فوجد العجوز ومعها الرغيفان فاشتراهما أيضاً منها ولم يزل كذلك مدة عشرين يوماً ، ثم غابت العجوز عنه فسأل عنها فلم يجد لها خبراً ، فبينما هو ذات يوم من الأيام في بعض شوارع المدينة إذ وجدها ، فوقف وسلم عليها وسألها عن سبب غيابها وانقطاع الرغيفين عنه فلما سمعت العجوز كلامه تكاسلت عن رد الجواب فأقسم عليها أن تخبره عن أمرها . فقالت له : يا سيدي اسمع مني الجواب وما ذلك إلا أني كنت أخدم إنساناً وكانت به أكلة في صلبه وكان عنده طبيب يأخذ الدقيق ويلته بسمن ويجعله على الموضع الذي فيه الوجع طوال ليلته إلى أن يصبح الصباح ، فأخذ ذلك الدقيق واجعله رغيفين وأبيعهما لك أو لغيرك ، وقد مات ذلك الرجل فانقطع عني الرغيفين . فلما سمع التاجر ذلك الكلام قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ولم يزل ذلك التاجر يتقيأ إلى أن مرض وندم ولم يفده الندم ، وبلغني أيها الملك من كيد النساء أن رجلاً كان يقف بالسيف على رأس ملك من الملوك وكان لذلك الرجل جارية يهواها، فبعث إليها يوماً من الأيام علامة برسالة على العادة بينهما، فجلس الغلام عندها ولاعبها فمالت إليه وضمته إلى صدرها فطلب منها المجامعة فطاوعته . فبينما هما كذلك وإذا بسيد الغلام قد طرق الباب ، فأخذت الغلام ورمته في طابق عندها ثم فتحت الباب فدخل وسيفه بيده فجلس على فراش المرأة فأقبلت عليه تمازحه وتلاعبه وتضمه إلى صدرها وتقبله، فقام الرجل إليها وجامعها وإذا بزوجها يدق على الباب ، فقال لها : من هذا ؟ قالت : زوجي ، فقال لها : كيف أفعل وكيف الحيلة في ذلك ، فقالت له : قم سل سيفك وقف في الدهليز ثم سبني واشتمني ، فإذا دخل زوجي عليك فاذهب وامضي إلى حال سبيلك ففعل ذلك . فلما دخل زوجها رأى خازندار الملك واقفاً وسيفه مسلول بيده وهو يشتم زوجته ويهددها . فلما رآه الخازندار استحى وأغمد سيفه وخرج من البيت، فقال الرجل لزوجته : ما سبب ذلك ، فقالت له : يا رجل ما ابرك هذه الساعة التي أتيت فيها قد أعتقت نفساً مؤمنة من القتل ، وما ذاك إلا أنني كنت فوق السطح أغزل وإذا بغلام قد دخل علي مطروداً ذاهب العقل ، وهو يلهث خوفاً من القتل وهذا الرجل مجرد سيفه وهو يسرع وراءه ويجد في طلبه، فوقع الغلام علي وقبل يدي ورجلي وقال : يا سيدتي أعتقيني ممن يريد قتلي ظلماً ، فخبأته في الطابق الذي عندنا . فلما رأيت هذا الرجل قد دخل وسيفه مسلول، أنكرته منه حين طلبه مني فصار يشتمني ويهددني كما رأيت ، والحمد لله الذي لي فإني كنت حائرة وليس عندي أحد ينقذني . فقال لها زوجها : نعم ما فعلت يا امرأة أجرك على الله فيجازيك بفعلك خيراً
|
ثم إن زوجها ذهب إلى الطابق ونادى الغلام وقال له اطلع لا بأس عليك فطلع من الطابق وهو خائف، والرجل يقول له أرح نفسك لا بأس عليك وصار يتوجع لما أصابه والغلام يدعو لذلك الرجل ثم خرجا جميعاً ولم يعلمه بما دبرته هذه المرأة . فاعلم أيها الملك أن هذا من جملة كيد النساء ، فإياك والركون إلى قولهن فرجع الملك عن قتل ولده . فلما كان اليوم الثالث دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه وقالت له : أيها الملك خذ لي حقي من ولدك، ولا تركن إلى قول وزرائك فإن وزرائك اليوم لا خير فيهم، ولا تكن كالملك الذي ركن إلى وزير السوء من وزرائه ، فقال لها : وكيف كان ذلك ؟ قالت : بلغني أيها الملك أن ملكاً من الملوك كان له ولد يحبه ويكرمه غاية الإكرام ويفضله على سائر أولاده ، فقال له يوماً من الأيام : يا أبت إني أريد أن أذهب إلى الصيد والقنص ، فأمر بتجهيزه وأمر وزيراً من وزراءه ، إن يخرج معه في خدمته ويقضي له جميع مهماته في سفره فأخذ ذلك الوزير جميع ما يحتاج إليه الولد في السفر، وخرج معهما الخدم والنواب والغلمان ، وتوجهوا إلى الصيد حتى وصلوا إلى أرض مخضرة ذات عشب ومرعى ومياه الصيد فيها كثيرة ، فتقدم ابن الملك للوزير وعرفه بما أعجبه من التنزه ، فأقاموا بتلك الأرض عدة أيام وابن الملك في أطيب عيش وأرغده . ثم أمرهم ابن الملك بالانصراف ، فاعترضته غزالة قد انفردت عن رفقتها فاشتاقت نفسه إلى اقتناصها وطمع فيها ، فقال للوزير : ني أريد أن أتبع هذه الغزالة ، فقال له الوزير : افعل ما بدا لك فتبعها الولد منفرداً وحده وطلبها طول النهار إلى المساء ودخل الليل ، فصعدت الغزالة إلى محل وعر وأظلم على الولد الليل ، وأراد الرجوع فلم يعرف أين يذهب فبقي متحيراً في نفسه وما زال راكباً على ظهر فرسه إلى أن أصبح الصباح ، ولم يلق فرجاً لنفسه ثم سار ولم يزل سائراً خائفاً جائعاً عطشاناً وهو لا يدري أين يذهب حتى انتصف عليه النهار وحميت الرمضاء ، وإذا هو قد أشرف على مدينة عالية البنيان مشيدة الأركان وهي قفرة خراب ليس فيها غير البوم والغراب . فبينما هو واقف عند تلك المدينة يتعجب من رسومها ، إذ لاحت منه نظرة فرأى جارية ذات حسن وجمال ، تحت جدار من جدرانها وهي تبكي ، فدنا منها وقال لها من تكوني ، فقالت له أنا بنت التميمة ابنة الطباخ ملك الأرض الشهباء خرجت ذات يوم من الأيام أقضي حاجة لي فاختطفني عفريت من الجن وطار بين السماء والأرض فنزل عليه شهب من نار فاحترق فسقطت ههنا ولي ثلاثة أيام بالجوع والعطش فلما نظرتك طمعت في الحياة ، فأدركت ابن الملك عليها الرأفة فأركبها وراءه على جواده ، وقال لها : طيبي نفساً وقري عيناً إن ردني الله سبحانه وتعالى إلى قومي وأهلي أرسلتك إلى أهلك . ثم سار ابن الملك يلتمس الفرج ، فقالت له الجارية التي وراءه : يا ابن الملك أنزلني حتى أقضي حاجة تحت هذا الحائط فوقف وأنزلها ثم انتظرها فتوارت في الحائط ثم خرجت بأشنع منظر، فلما رآها ابن الملك اقشعر بدنه وطار عقله وخاف منها وتغيرت حالته . ثم وثبت تلك الجارية لتركب وراء ظهره على الجواد ، وهي في صورة أقبح ما يكون من الصور ، ثم قالت له : يا ابن الملك ما لي أراك قد تغير وجهك ؟ فقال لها : إني تذكرت أمراً أهمني ، فقالت له ، استعن عليه بجيوش أبيك وأبطاله ، فقال لها : إن الذي أهمني لا تزعجه الجيوش ولا يهتم بالأبطال ، فقالت : استعن عليه بمال أبيك وذخائره ، فقال لها : إن الذي أهمني لا يقنع بالمال ولا بالذخائر ، فقالت : إنكم تزعمون أن لكم في السماء إلهاً يرى أنه قادر على كل شيء ، فقال لها : نعم ما لنا إلا هو ، فقالت له : ادعه لعله يخلصك مني . فرفع ابن الملك طرفه إلى السماء وأخلص بقلبه الدعاء وقال : اللهم إني استعنت بك على هذا الأمر الذي أهمني وأشار بيده إليها فسقطت على الأرض محروقة مثل الفحمة ، فحمد الله وشكره وما زال يجد في المسير والله سبحانه وتعالى يهون عليه العسير ويدله في الطرق إلى أن أشرف على بلاده ووصل إلى ملك أبيه بعد أن كان قد يئس من الحياة وكان ذلك كله برأي الوزير الذي سافر معه لأجل أن يهلكه في سفرته فنصره الله تعالى، وإنما أخبرتك أيها الملك لتعلم أن وزراء السوء لا يصفون النية ولا يحسنون الطوية مع ملوكهم فكن من ذلك الأمر على حذر . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك لما سمع كلامها أقبل عليه وأمر بقتل ولده ، فدخل الوزير الثالث وقال : أنا أكفيكم شر الملك في هذا النهار ، ثم إن الوزير دخل على الملك وقبل الأرض بين يديه وقال له : أيها الملك إني ناصحك ومشفق عليك وعلى دولتك ومشير عليك برأي سديد وهو أن لا تعجل على قتل ولدك وقرة عينك وثمرة فؤادك ، فربما كان ذنبه أمراً هيناً قد عظمته عندك هذه الجارية فقد بلغني أن أهل قريتين أفنوا بعضهم على قطرة عسل . فقال له الملك : وكيف ذلك ؟ فقال له : اعلم أيها الملك أنه بلغني أن رجلاً صياداً كان يصيد الوحوش في البرية فدخل يوماً من الأيام كهفاً من كهوف الجبل فوجد فيه حفرة ممتلئة عسل نحل فجمع شيئاً من ذلك العسل في قربة كانت معه ثم حمله على كتفه وأتى به إلى المدينة ومعه كلب صيد وكان ذلك الكلب عزيزاً عليه ، فوقف الرجل الصياد على دكان زيات وعرض عليه العسل فاشتراه صاحب الدكان ، ثم فتح القربة وأخرج منها العسل لينظره فقطرت القربة قطرة عسل فسقط عليها طير ، وكان الزيات له قط فوثب على الطير فرآه كلب الصياد فوثب على القط فقتله ، فوثب الزيات على كلب الصياد فقتله فوثب الصياد على الزيات فقتله وكان للزيات قرية وللصياد قرية ، فسمعوا بذلك فأخذوا أسلحتهم وعددهم وقاموا على بعضهم بعضاً ، والتقى الصفان فلم يزل السيف دائراً بينهم إلى أن مات منهم خلق كثير ، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى
|
|
وقد بلغني أيها الملك من جملة كيد النساء أن امرأة دفع لها زوجها درهماً لتشتري به أرز ، فأخذت منه الدرهم وذهبت به إلى بياع الأرز ، فأعطاها الأرز وجعل يلاعبها ويغامزها ويقول لها : إن الأرز لا يطيب إلا بالسكر فإن أردتيه فادخلي عندي قدر ساعة ، فدخلت المرأة عنده في الدكان ، فقال بياع الأرز لعبده : زن لها بدرهم سكر ، وأعطاه سيده رمزاً فأخذ العبد المنديل من المرأة وفرغ منه الأرز وجعل في موضعه تراباً وجعل بدل السكر حجراً وعقد المنديل وتركه عندها . فلما خرجت المرأة من عنده ، أخذت منديلها وانصرفت إلى منزلها وهي تحسب أن الذي في منديلها أرزاً وسكراً . فلما وصلت إلى منزلها ووضعت المنديل بين يدي زوجها، وجد فيه تراباً وحجراً ، فلما أحضرت القدر قال لها زوجها : هل نحن قلنا لك إن عندنا عمارة حتى جئت لنا بتراب وحجر . فلما نظرت إلى ذلك علمت أن عبد البياع نصب عليها وكانت قد أتت بالقدر في يدها ، فقالت لزوجها : يا رجل من شغل البال الذي أصابني لأجيء بالغربال فجئت بالقدر ، فقال لها زوجها : وأي شيء أشغل بالك ؟ قالت له : يا رجل إن الدرهم الذي كان معي سقط مني في السوق فاستحيت من الناس أن أدور عليه ، وما هان علي أن الدرهم يروح مني فجمعت التراب من ذلك الموضع الذي فيه الدرهم وأردت أن أغربله وكنت رائحة أجيء بالغربال فجئت بالقدر . ثم ذهبت وأحضرت الغربال وأعطته لزوجها وقالت له : غربله فإن عينك أصح من عيني . فقعد الرجل يغربل في التراب إلى أن امتلأ وجهه وذقنه من الغبار وهو لا يدري مكرها وما وقع منها ، فهذا أيها الملك من جملة كيد النساء وانظر إلى قول الله تعالى : إن كيدهن عظيم ، وقوله سبحانه وتعالى : إن كيد الشيطان كان ضعيفاً . فلما سمع الملك من كلام الوزير ما أقنعه وأرضاه وزجره عن هواه وتأمل ما تلاه عليه من آيات الله ، سطعت الأنوار على سماء عقله وخلده ورجع عن تصميمه على قتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أنه لما دخل اليوم الرابع ، دخلت الجارية على الملك وقبلت الأرض بين يديه وقالت له : أيها الملك قد أظهرت لك حقي عياناً فظلمتني وأهملت مقاصصة غريمي ولدك ومهجة قلبك وسوف ينصرني الله سبحانه وتعالى كما نصر الله ابن الملك على وزير أبيه ، فقال : وكيف كان ذلك ؟ فقالت له الجارية : بلغني أيها الملك أنه كان ملك من الملوك الماضية له ولد ولم يكن له من الأولاد غيره ، فلما بلغ ذلك الولد زوجه بابنة ملك آخر وكانت جارية ذات حسن وجمال وكان لها ابن عم قد خطبها من أبيها ولم تكن راضية بزواجها منه . فلما علم ابن عمها أنها تزوجت بغيره أخذته الغيرة ، فاتفق رأي ابن عم الجارية أن يرسل الهدايا إلى وزير الملك الذي تزوج بها ابنه فأرسل إليه هدايا عظيمة وأنفذ إليه أموالاً كثيرة وسأله أن يحتال على قتل ابن الملك بمكيدة تكون سبباً لهلاكه أو يتلطف به حتى يرجع عن زواج الجارية ، وبعث يقول له : أيها الوزير لقد حصل عندي من الغيرة على ابنة عمي ما حملني على هذا الأمر . فلما وصلت الهدايا إلى الوزير قبلها وأرسل إليه يقول له : طب نفساً وقر عيناً فلك عندي كل ما تريده ، ثم إن الملك أبا الجارية أرسل إلى ابن الملك بالحضور إلى مكانه لأجل الدخول على ابنته . فلما وصل الكتاب إلى ابن الملك أذن له أبوه في المسير وبعث معه الوزير الذي جاءت له الهدايا ، وأرسل معهما ألف فارس وهدايا ومحامل وسرادقات وخياماً فسار الوزير مع ابن الملك وفي ضميره أن يكيده بمكيدة وأضمر له في قلبه السوء فلما صاروا في الصحراء تذكر الوزير أن في هذا الجبل عيناً جارية كل من شرب منها إذا كان رجلاً يصير امرأة فلما تذكر الوزير أنزل العسكر بالقرب منها وركب الوزير جواده ثم قال لابن الملك : هل لك أن تروح معي نتفرج على عين ماء في هذا المكان ، فركب ابن الملك وسار هو ووزير أبيه وليس معهما أحد ، وابن الملك لا يدري ما سبق له في الغيب ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى تلك العين ، فنزل ابن الملك من فوق جواده وغسل يديه وشرب منها وإذا به قد صار امرأة . فلما عرف ذلك صرخ وبكى حتى غشي عليه فأقبل عليه الوزير يتوجع لما أصابه ويقول : ما الذي أصابك فأخبره الولد بما جرى له، فلما سمع الوزير كلامه توجع له وبكى لما أصاب ابن الملك، ثم قال له : يعيذك الله تعالى من هذا الأمر ، كيف حلت بك هذه المصيبة ؟ وعظمت بك تلك الرزية ؟ ونحن سائرون بفرحة لك حيث تدخل على ابنة الملك ، والآن لا أدري هل نتوجه إليها أم لا والرأي لك فما تأمر به
|
|
فقال الولد ارجع إلى أبي وأخبره بما أصابني، فإني لا أبرح من هنا حتى يذهب عني هذا الأمر أو أموت بحسرتي ، فكتب الولد كتاباً إلى أبيه يعلمه بما جرى له ، ثم أخذ الوزير الكتاب وانصرف راجعاً إلى مدينة الملك . وترك العسكر والولد وما معه من الجيوش عنده وهو فرحان في الباطن بما فعل بابن الملك . فلما دخل الوزير على الملك أعلمه بقضية ولده وأعطاه كتابه فحزن الملك على ولده حزناً شديداً ، ثم أرسل إلى الحكماء وأصحاب الأسرار أن يكشفوا له عن هذا الأمر الذي حصل لولده فما أحد رد عليه جواباً ، ثم إن الوزير أرسل إلى ابن عم الجارية يبشره بما حصل لابن الملك ، فلما وصل إليه الكتاب فرح فرحاً شديداً وطمع في زواج ابنة عمه وأرسل إلى الوزير هدايا عظيمة وأموالاً كثيرة وشكره شكراً زائداً ، وأما ابن الملك فإنه أقام على تلك العين مدة ثلاثة أيام بلياليها لا يأكل ولا يشرب ، واعتمد فيما أصابه على الله سبحانه وتعالى الذي ما خاب من توكل عليه ، فلما كان في الليلة الرابعة إذ هو بفارس على رأسه تاج وهو في صفة أولاد الملوك . فقال له الفارس : من أتى بك أيها الغلام إلى هنا ؟ فأعلمه الولد بما أصابه وأنه كان مسافراً إلى زوجته ليدخل عليها ، وأعلمه أن الوزير قد أتى به إلى عين الماء ليشرب منها فحصل له ما حصل ، وكلما تحدث الغلام يغلبه البكاء فيبكي ، فلما سمع الفارس كلامه رثى لحاله وقال له : إن وزير أبيك هو الذي رماك في هذه المصيبة لأن هذه العين لا يعلم بها أحد من البشر إلا رجل واحد ثم إن الفارس أمره أن يركب معه فركب الولد وقال له الفارس : امض معي إلى منزلي فأنت ضيفي في هذه الليلة . فقال له الولد : أعلمني من أنت حتى أسير معك ، فقال له : أنا ابن ملك الجن وأنت ابن ملك الإنس فطب نفساً وقر عيناً بما يزيل همك وغمك ، فهو علي هين . فسار معه الولد من أول النهار ، وأهمل جيوشه وعساكره ومازال سائراً معه إلى نصف الليل فقال له ابن ملك الجن : قطعنا مسيرة سنة للمُجِدِ المسافر فتعجب ابن الملك من ذلك وقال له : كيف العمل والرجوع إلى أهلي ، فقال له : ليس هذا من شأنك إنما هو من شأني وحين تبرأ من علتك تعود إلى أهلك في أسرع من طرفة العين وذلك علي هين ، فلما سمع الغلام من الجني هذا الكلام طار من شدة الفرح وظن أنه أضغاث أحلام وقال : سبحان القدير على أن يرد الشقي سعيد وفرح بذلك فرحاً شديداً
|
ولم يزالا سائرين حتى انتهيا إلى عين ماء تسيل من جبال سود ، فقال للشاب : انزل فنزل الشاب من فوق جواده ، ثم قال له : اشرب من هذه العين فشرب منها فصار لوقته وساعته ذكراً كما كان أولاً بقدرة الله تعالى ، ففرح الشاب فرحاً شديداً ما عليه من مزيد ثم قال له : يا أخي ما يقال لهذه العين ؟ فقال له : يقال لها عين النساء لا تشرب منه امرأة إلا صارت رجلاً فاحمد الله واشكره على العافية واركب جوادك فسجد ابن الملك شكراً لله تعالى ، ثم ركب وسارا يجدان السير بقية يومهما حتى رجعا إلى أرض ذلك الجني ، فبات الشاب عنده في أرغد عيش ولم يزالا في أكل وشرب إلى أن جاء الليل ثم قال له ابن ملك الجن : أتريد أن ترجع إلى أهلك في هذه الليلة ؟ فقال : نعم أريد ذلك لأني محتاج إليه ، فدعا ابن ملك الجن بعبد له من عبيد أبيه اسمه راجز ، وقال له : خذ هذا الفتى من عندي واحمله على عاتقك ولا تخل الصباح يصبح عليه إلا وهو عند صهره وزوجته ، فقال له العبد : سمعاً وطاعة وحباً وكرامة ثم غاب العبد عنه ساعة وأقبل وهو في صورة عفريت . فلما رآه الفتى طار عقله واندهش، فقال ابن ملك الجن : لا بأس عليك اركب جوادك واعل به فوق عاتقه فقال الشاب : بل اركب أنا واترك الجواد عندك ثم نزل الشاب عن الجواد وركب على عاتقه، فقال له ابن ملك الجن : أغمض عينيك وطار العبد بين السماء والأرض ولم يزل طائراً به ولم يدر الشاب بنفسه فما جاء ثلث الليل الأخير إلا وهو على قصر صهره فلما نزل على قصره قال له العفريت : انزل ، فنزل وقال : افتح عينيك فهذا قصر صهرك وابنته ثم تركه ومضى ، فلما أضاء النهار وسكن الشاب من روعه نزل من فوق القصر فلما نظره صهره قام إليه وتلقاه وتعجب حيث رآه فوق القصر ، ثم قال له : إنا رأينا الناس تأتي من الأبواب وأنت تنزل من السماء ، فقال له : قد كان الذي أراده الله سبحانه وتعالى فتعجب الملك من ذلك وفرح بسلامته . فلما طلعت الشمس أمر صهره وزيره أن يعمل الولائم العظيمة ، فعمل الولائم واستقام العرس ، ثم دخل على زوجته وأقام مدة شهرين ، ثم ارتحل بها إلى مدينة أبيه وأما ابن عم الجارية فإنه هلك من الغيرة والحسد لما دخل بها ابن الملك ونصره الله سبحانه وتعالى عليه وعلى وزير أبيه بزوجته على أتم حال وأكمل سرور . فتلقاه أبوه بعسكره ووزرائه ، وأنا أرجو الله تعالى أن ينصرك على وزرائك أيها الملك وأنا أسألك أن تأخذ حقي من ولدك ، فلما سمع الملك ذلك منها أمر بقتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن الجارية لما حكت للملك وقالت أسألك أن تأخذ حقي من ولدك أمر بقتله، وكان ذلك في اليوم الرابع فدخل على الملك الوزير الرابع وقبل الأرض بين يديه ، وقال ثبت الله الملك وأيده أيها الملك تأن في هذا الأمر الذي عزمت عليه لأن العاقل لا يعمل عملاً حتى ينظر في عاقبته وصاحب المثل يقول : من لم ينظر في العواقب فما الدهر له بصاحـب ، وبلغني أيضاً أيها الملك السعيد من كيد النساء حكاية أخرى ، قال له الملك : وما بلغك ؟ قال له : بلغني أيها الملك ، أن امرأة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال لم يكن لها نظير فنظرها بعض الشبان المغاوين فتعلق بها وأحبها محبة عظيمة وكانت تلك المرأة عفيفة عن الزنا وليس لها فيه رغبة فاتفق أن زوجها سافر يوماً من الأيام إلى بعض البلاد فصار الشاب كل يوم يرسل إليها مرات عديدة ولم تجبه فقصد الشاب عجوزاً كانت ساكنة بالقرب منه، فسلم عليها وقعد يشكو إليها ما أصابه من المحبة وما هو عليه من عشق المرأة وأخبرها أنه مراده وصالها ، فقالت له العجوز : أنا أضمن لك ذلك ولا بأس عليك ، وأنا أبلغك ما تريد إن شاء الله ، فلما سمع الشاب كلامها دفع لها ديناراً ثم انصرف إلى حال سبيله . فلما أصبح الصباح دخلت العجوز على المرأة فوجدت معها عهداً ومعرفة وصارت العجوز تتردد إليها في كل يوم وتتغدى وتتعشى عندها وتأخذ من عندها بعض الطعام إلى أولادها ، وصارت تلك العجوز تلاعبها وتباسطها إلى أن أفسدت حالها وصارت لا تقدر على مفارقة العجوز ساعة واحدة ، فاتفق في بعض الأيام أن العجوز وهي خارجة من عند المرأة كانت تأخذ خبزاً وتجعل فيه شحماً وفلفلاً وتطعمه إلى كلبة مدة أيام فجعلت الكلبة تتبعها من أجل الشفقة والحسنة فأخذت لها يوماً شيئاً كثيراً من الفلفل والشحم وأطعمته لها ، فما أكلته صارت عيناها تدمع من حرارة الفلفل ثم تبعتها الكلبة وهي تبكي فتعجبت منها الصبية غاية العجب ، ثم قالت للعجوز : يا أمي ما سبب بكاء هذه الكلبة ؟
|
|
فقالت لها : يا بنتي هذه لها حكاية عجيبة فإنها كانت صبية وكانت صاحبتي ورفيقتي وكانت صاحبة حسن وجمال وبهاء وكمال وكان قد تعلق بها شاب في الحارة وزاد بها حباً وشغفاً حتى لزم الوسادة وأرسل إليها مرات عديدة لعلها ترق له وترحمه فأبت ، فنصحتها وقلت لها يا بنتي أطيعيه في جميع ما قاله وارحميه واشفقي عليه فما قبلت نصيحتي . فلما قل صبر هذا الشاب شكا لبعض أصحابه ، فعملوا لها سحراً وقلبوا صورتها من صورة البشر إلى صورة الكلاب، فلما رأت ما حصل لها وما هي فيه من الأحوال وانقلاب الصورة ، ولم تجد من المخلوقين من يشفق عليها غيري ، جاءتني إلى منزلي وصارت تستعطف بي وتقبل يدي ورجلي وتبكي وتنتحب فعرفتها وقلت لها كثيراً ما نصحتك فلم يفدك نصحي شيئاً . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح . وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن العجوز صارت تحكي للمرأة خبر الكلبة وتعرفها عن حالها بمكر وخداع لأجل موافقتها لغرض تلك العجوز وجعلت تقول لها : لما جاءتني هذه الكلبة المسحورة وبكت قلت لها : كم نصحتك ولكن يا بنتي لما رايتها في هذه الحالة أشفقت عليها وأبقيتها عندي فهي على هذه الحالة وكلما تتفكر حالتها الأولى تبكي على نفسها . فلما سمعت الصبية كلام العجوز حصل لها رعب كبير وقالت لها : يا أمي والله إنك خوفتيني بهذه الحكاية ، فقالت لها العجوز : من أي شيء تخافين ؟ فقالت لها : إن شاباً مليحاً متعلقاً بحبي وأرسل إلي مرات وأنا أمتنع منه وأنا اليوم أخاف أن يحصل لي مثل ما حصل لهذه الكلبة ، فقالت لها العجوز : احذري يا بنتي أن تخالفي فإني أخاف عليك كثيراً وإذا كنت لم تعرفي محله فأخبريني بصفته وأنا أجيء به إليك ولا تخلي قلب أحد يتغير عليك . فوصفته لها وجعلت تتغافل وتريها أنها لم تعرفه وقالت لها لما أقوم واسأل عنه . فلما خرجت من عندها ذهبت إلى الشاب تفتش عليه فلم تقف له على خبر وقالت في نفسها كيف العمل أيروح الأكل الذي فعلته خسارة والوعد الذي وعدتني به من الدراهم ولكن لن أخل هذه الحيلة تروح بلا شيء بل أفتش لها على غيره وأجيء به إليها
|
|
فبينما هي كذلك تدور في الشارع إذ نظرت شاباً حسناً جميلاً على وجهه أثر السفر، فتقدمت إليه وسلمت عليه وقالت له : هل لك طعام وشراب وصبية مهيأة ، فقال لها الرجل : وأين هذا ؟ قالت : عندي في بيتي فسار معها الرجل والعجوز وهي لا تعلم أنه زوج الصبية حتى وصلت إلى البيت ودقت الباب ففتحت لها الصبية الباب فدخلت وهي تجري لتتهيأ بالملبوس والبخور فأدخلته العجوز في قاعة الجلوس وهي في كيد عظيم . فلما دخلت المرأة عليه ووقع بصرها عليه والعجوز قاعدة عنده بادرت المرأة بالحيلة والمكيدة ودبرت لها أمر في الوقت والساعة ثم سحبت الخف من رجلها وقالت لزوجها : ما هكذا العهد الذي بيني وبينك فكيف تخونني وتفعل معي هذا الفعل فإني لما سمعت بحضورك جربتك بهذه العجوز فأوقعتك فيما حذرتك منه وقد تحققت أمرك وإنك نقضت العهد الذي بيني وبينك وكنت قبل الآن أظن أنك طاهر حتى شاهدتك بعيني مع هذه العجوز وإنك تتردد على النساء الفاجرات ، وصارت تضربه بالخف على رأسه وهو يتبرأ من ذلك ويحلف لها أنه ما خانها مدة عمره ولا فعل فعلاً مما اتهمته به ، ولم يزل يحلف لها أيماناً بالله تعالى وهي تضربه وتبكي وتصرخ وتقول : تعالوا إلي يا مسلمين فيمسك فمها بيده وهي تعضه وصار متذللاً لها ويقبل يديها ورجليها وهي لا ترضى عليه ولا تكف يدها عن صفعه ، ثم إنها غمزت العجوز أن تمسك يدها عنه فجاءتها العجوز وصارت تقبل يديها ورجليها إلى أن أجلستهما . فلما جعل الزوج يقبل يد العجوز ويقول لها : جزاك الله كل خير حيث خلصتيني منها فصارت العجوز تتعجب من حيلة المرأة وكيدها ، وهذا أيها الملك من جملة مكر النساء وحيلهن وكيدهن، فلما سمعه الملك انتصح بحكايته ورجع عن قتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد كان في اليوم الخامس دخلت الجارية على الملك بيدها قدح فيه سم واستغاثت ولطمت على خديها ووجهها وقالت له : أيها الملك إما أن تنصفني وتأخذ حقي من ولدك ، وإلا أشرب هذا القدح السم وأموت ويبقى ذنبي معلقاً بك إلى يوم القيامة فإن وزراءك هؤلاء ينسبونني الكيد والمكر وليس في الدنيا أمكر منهم، أما سمعت أيها الملك حديث الصائغ مع الجارية ؟ فقال : ما جرى منهما يا جارية . فقالت : بلغني أيها الملك السعيد أنه كان رجل صائغ مولعاً بالنساء وشرب الخمر فدخل يوماً من الأيام عند صديق له فنظر إلى حائط من حيطان بيته فرأى فيها صورة جارية منقوشة لم ير الراءون أحسن ولا أجمل ولا أظرف منها فأكثر الصائغ من النظر إليها وتعجب من حسن هذه الصورة ووقع حب هذه الصورة في قلبه إلى أن مرض واشرف على الهلاك فجاءه أحد أصدقائه يزوره فلما جلس عنده سأله عن حاله وما يشكو منه . فقال له : يا أخي إن مرضي كله وجميع ما أصابني من العشق وذلك أني عشقت صورة منقوشة في حائط فلان أخي ، فلامه الصديق وقال له : إن هذا من قلة عقلك فكيف تعشق صورة في حائط لا تضر ولا تنفع ولا تنظر ولا تسمع ولا تأخذ ولا تمنع ؟ فقال له : ما صورها المصور إلا على مثال امرأة جميلة ، فقال له صديقه : لعل الذي صورها اخترعها من رأسه ، فقال له : ها أنا في حبها ميت على كل حال ، وإن كان لهذه الصورة شبيه في الدنيا فأنا أرجو الله تعالى أن يمدني بالحياة إلى أن أراه . فلما قام الحاضرون سألوا عمن صورها فوجدوه قد سافر إلى بلد من البلدان ، فكتبوا له كتاباً يشكون له فيه حال صاحبهم ، ويسألونه عن تلك الصورة وما سببها وهل هو اخترعها من ذهنه أو رأى لها شبيهاً في الدنيا ، فأرسل إليهم أني صورت هذه الصورة على شكل جارية مغنية لبعض الوزراء وهي بمدينة كشمير بإقليم الهند . فلما سمع الصائغ بالخبر وكان ببلاد الفرس تجهز وسار متوجهاً إلى بلاد الهند فوصل إلى تلك المدينة من بعد جهد جهيد ، فلما دخل تلك المدينة واستقر فيها ذهب يوماً من الأيام عند رجل عطار من أهل تلك المدينة ، واستقر فيها ذهب يوماً من الأيام عند رجل عطار من أهل تلك المدينة ، وكان ذلك العطار حاذقاً فطناً لبيباً فسأله الصائغ عن ملكهم وسيرته ، فقال له العطار أما ملكنا فعادل حسن السيرة محسن لأهل دولته منصف لرعيته وما يكره في الدنيا إلا السحرة فإذا وقع في يده ساحراً أو ساحرة ألقاهما في جب خارج المدينة ويتركهما بالجوع إلى أن يموتا ثم سأله عن وزرائه فذكر له سيرة كل وزير وما هو عليه إلى أن أنجز الكلام إلى الجارية المغنية ، فقال له : عند الوزير الفلاني فصبر بعد ذلك أياماً حتى أخذ بتدبير الحيلة
|
|
فلما كان في ليلة ذات مطر ورعد وعاصفة ذهب الصائغ وأخذ معه عدة من اللصوص وتوجه إلى دار الوزير سيد الجارية وعلق فيه السلم بكلاليب ثم طلع إلى أعلى القصر ، فلما وصل إليه نزل إلى ساحته فرأى جميع الجواري نائمات كل واحدة على سريرها ورأى سريراً من المرمر عليه جارية كأنها البدر إذا أشرف في ليلة أربعة عشر ، فقصدها وقعد عند رأسها وكشف الستر عنها فإذا عليها ستر من ذهب وعند رأسها شمعة وتحت رجليها شمعة ، كل شمعة منهما في شمعدان من الذهب وهاتان الشمعتان من العنبر وتحت الوسادة حق من الفضة فيه جميع حليها وهو مغطى عند رأسها فأخرج سكيناً وضرب بها كفل الجارية فجرحها جرحاً واضحاً فانتبهت فزعة مرعوبة ، فلما رأته خافت من الصياح، فسكتت وظنت أنه يريد أخذ المال فقالت له : خذ الحق والذي فيه وليس لك بقتلي نفع وأنا في جيرتك وفي حسبك ، فتناول الرجل الحق بما فيه وانصرف . فلما أصبح الصباح لبس ثيابه وأخذ معه الحق الذي فيه الحلي ودخل به على ملك تلك المدينة ثم قبل الأرض بين يديه وقال : أيها الملك إنني رجل ناصح لك وأنا من أرض خراسان وقد أتيت مهاجراً إلى حضرتك لما شاع من حسن سيرتك وعدلك في رعيتك فأردت أن أكون تحت لوائك ، وقد وصلت إلى هذه المدينة آخر النهار فوجدت الباب مغلقاً فنمت من خارجه فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت أربع نسوة إحداهن راكبة مكنسة والأخرى راكبة مروحة ، فعلمت أيها الملك أنهن سحرة يدخلن مدينتك فدنت إحداهن مني ورفستني برجلها وضربتني بذنب ثعلب كان في يدها فأوجعتني من الضرب فضربتها بسكين كانت معي فأصابت كفلها وهي مولية شاردة ، فلما جرحتها انهزمت قدامي ، فوقع منها هذا الحق بما فيه فأخذته وفتحته فرأيت فيه هذا الحلي النفيس ، فخذه فليس لي به حاجة لأني رجل سائح في الجبال ، وقد رفضت الدنيا عن قلبي وزهدتها بما فيها وإني قاصد وجه الله تعالى ، ثم ترك الحق بين يدي الملك وانصرف
|
|
فلما خرج من عند الملك فتح الملك ذلك الحق وأخرج جميع الحلي منه وصار يقلبه بيده فوجد فيه عقداً كان أنعم به على الوزير سيد الجارية ، فدعا الملك بالوزير فلما حضر بين يديه ، قال له : هذا العقد الذي أهديته إليك ، فلما رآه عرفه وقال للملك : نعم وأنا أهديته إلى جارية مغنية عندي . فقال له الملك : أحضر لي تلك الجارية فأحضرها ، فلما حضرت الجارية بين يدي الملك قال له : اكشف عن كفلها وانظر هل فيه جرح أم لا ، فكشف الوزير عنه فرأى فيه جرح سكين ، فقال الوزير للملك : نعم يا مولاي فيها الجرح ، فقال الملك للوزير : هذه ساحرة كما قال لي الرجل الزاهد بلا شك ولا ريب ، ثم أمر الملك بأن يجعلوها في جب السحرة فأرسلوها إلى الجب في ذلك النهار . فلما جاء الليل عرف الصائغ أن حيلته قد تمت ، جاء إلى حارس الجب وبيده كيس فيه ألف دينار وجلس مع الحارس يتحدث إلى ثلث الليل الأول ثم دخل مع الحارس في الكلام وقال له : اعلم يا أخي أن هذه الجارية بريئة من هذه البلية التي ذكروها وأنا الذي أوقعتها ، وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها ، ثم قال له : يا أخي خذ هذا الكيس فإن فيه ألف دينار وأعطني الجارية أسافر بها إلى بلادي فهذه الدنانير أنفع لك من حبس الجارية ، واغتنم أجرنا ونحن الاثنان ندعو لك بالخير والسلامة . فلما سمع حكايته تعجب غاية العجب من هذه الحيلة وكيف تمت ، ثم أخذ الحارس الكيس بما فيه وتركها له وشرط عليه أن لا يقيم بها في هذه المدينة ساعة واحدة فأخذها الصائغ من وقته وسار وجعل يجد في السير إلى أن وصل إلى بلاده وقد بلغ مراده ، فانظر أيها الملك إلى كيد الرجال وحيلتهم ووزراؤك يردونك عن أخذ حقي ، وفي غد أقف أنا وأنت بين يدي حاكم عادل ليأخذ حقي منك أيها الملك . فلما سمع الملك كلامها أمر بقتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن الوزير الخامس دخل على الملك وقبل الأرض بين يديه ثم قال : أيها الملك العظيم الشأن تمهل ولا تعجل على قتل ولدك فرب عجلة أعقبت ندامة وأخاف عليك أن تندم ندامة الذي لم يضحك بقية عمره ، فقال له الملك : وكيف ذلك أيها الوزير ؟ قال : بلغني أيها الملك أنه كان رجل من ذوي البيوت والنعم وكان ذا مال وخدم وعبيد وأملاك فمات إلى رحمة الله تعالى وترك ولداً صغيراً ، فلما كبر الولد أخذ في الأكل والشرب وسماع الطرب والأغاني وتكرم وأعطى وأنفق الأموال التي خلفها له أبوه حتى ذهب بالمال جميعه . فاضطر إلى بيع العبيد والجواري والأملاك وأنفق جميع ما كان عنده من مال أبيه وغيره فافتقر حتى صار يشتغل مع الفعلة ، فمكث على ذلك مدة سنة ، فبينما هو جالس يوماً من الأيام تحت حائط ينتظر من يستأجره وإذا هو برجل حسن الوجه والثياب فدنا من الشاب وسلم عليه . فقال له الولد : يا عم هل أنت تعرفني قبل الآن ؟ فقال له : لا أعرفك يا ولدي أصلاً بل أرى آثار النعمة عليك وأنت في هذه الحالة ، فقال له : يا عم نفذ القضاء والقدر فهل لك يا عم يا صبيح الوجه من حاجة تستخدمني فيها ، فقال له : يا ولدي أريد أن أستخدمك في شيء يسير ، قال له الشاب : وما هو يا عم ؟ فقال له : عندي عشرة من الشيوخ في دار واحدة ، وليس عندنا من يقضي حاجتنا ، ولك عندنا من المأكل والمشرب ما يكفيك لتقوم بخدمتنا ولك عندنا ما يصل إليك من الخير والدراهم ولعل الله يرد عليك نعمتك بسببنا ، فقال له الشاب : سمعاً وطاعة . ثم قال له الشيخ : لي عليك شرط ، فقال له الشاب : وما شرطك يا عم ؟ فقال له : يا ولدي أن تكون كاتماً لسرنا فيما ترانا عليه وإذا رأيتنا نبكي فلا تسألنا عن سبب بكائنا ، فقال له الشاب : نعم يا عم . فقال له الشيخ ، يا ولدي سر بنا على بركة الله تعالى فقام الشاب خلف الشيخ إلى أن أوصله إلى الحمام فأدخله فيه وأزال عن بدنه ما عليه من القشف ، ثم أرسل الشيخ رجلاً فأتى له بحلة حسنة من القماش فألبسه إياها ، ومضى به إلى منزله عند جماعته .
|
|
فلما دخل الشاب وجدها داراً عالية البنيان مشيدة الأركان واسعة بمجالس متقابلة وقاعات ، في قاعة فسقية من الماء عليها طيور تغرد وشبابيك تطل من كل جهة على بستان حسن في تلك الدار ، فأدخله الشيخ في أحد المجالس فوجده منقوشاً بالرخام الملون ووجد سقفه منقوشاً باللازورد والذهب الوهاج وهو منقوش ببسط الحرير ، ووجد فيه عشرة من الشيوخ قاعدين متقابلين وهم لابسين ثياب الحزن يبكون وينتحبون ، فتعجب الشاب من أمرهم وهم أن يسأل الشيخ فتذكر الشرط فمنع لسانه ، ثم إن الشيخ سلم إلى الشاب صندوقاً فيه ثلاثون ألف دينار ، وقال له : يا ولدي أنفق علينا من هذا الصندوق وعلى نفسك وأنت أمين واحفظ ما استودعتك فيه . فقال الشاب : سمعاً وطاعة ، ولم يزل الشاب ينفق عليهم مدة أيام وليال ، ثم مات واحداً منهم فأخذه أصحابه وغسلوه وكفنوه ودفنوه في روضة خلف الدار ، ولم يزل الموت يأخذ منهم واحداً بعد واحد إلى أن بقي الشيخ الذي استخدم ذلك الشاب فاستمر هو والشاب في تلك الدار ، وليس معهما ثالث وأقاما على ذلك مدة من السنين ثم مرض الشيخ . فلما يئس الشاب من حياته أقبل عليه وتوجع له ثم قال له : يا عم أنا خدمتكم وما كنت أقصر في خدمتكم مرة واحدة طيلة اثني عشرة سنة ، وأنا أنصح لكم وأخدمكم بجهدي وطاقتي ، فقال له الشيخ : نعم يا ولدي خدمتنا إلى أن توفيت هذه المشايخ إلى رحمة الله عز وجل ولا بد لنا من الموت ، فقال الشاب : يا سيدي أنت على خطر وأريد منك أن تعلمني ما سبب بكائكم ودوام انتحابكم وحزنكم .
فقال له : يا ولدي ما لك بذلك من حاجة ولا تكلفني ما لا أطيق ، فإني سألت الله تعالى أن لا يبلي أحداً ببليتي ، فإن أردت أن تسلم مما وقعنا فيه فلا تفتح ذلك الباب وأشار إليه بيده وحذره منه ، وإن أردت أن يصيبك ما أصابنا فافتحه فإنك تعلم بسبب ما رأيت منا لكنك تندم حيث لا ينفعك الندم . ثم تزايدت العلة على الشيخ فمات فغسله الشاب بيده وكفنه ودفنه عند أصحابه ، وقعد الشاب في ذلك الموضع وهو مختوم على ما فيه وهو مع ذلك قلق متفكر فيما كان فيه الشيوخ فبينما هو يتفكر يوماً من الأيام في كلام الشيخ ووصيته له بعد فتح الباب إذ خطر بباله أنه ينظر إليه فقام إلى تلك الجهة وفتش حتى رأى باباً لطيفاً قد عشش عليه العنكبوت وعليه أربعة أقفال من البولاد . فلما نظره تذكر ما حذره منه الشيخ فانصرف عنه وصارت نفسه تراوده على فتح الباب وهو يمنعها مدة سبعة أيام وفي اليوم الثامن غلبت عليه نفسه وقال : لابد أن أفتح الباب وأنظر أي شيء يجري علي منه فإن قضاء الله تعالى وقدره لا يرده شيء ، ولا يكون أمر من الأمور إلا بإرادته . فنهض وفتح الباب بعد أن كسر الأقفال ، فلما فتح الباب رأى دهليزاً ضيقاً فجعل يمشي فيه مقدار ثلاث ساعات وإذا به قد خرج على شاطئ نهر عظيم فتعجب الشاب من ذلك ، وصار يمشي على ذلك الشاطئ وينظر يميناً وشمالاً وإذا بعقاب كبير قد نزل من الجو فحمل ذلك الشاب في مخالبه وطار فيه بين السماء والأرض إلى أن أتى به إلى جزيرة في وسط البحر فألقاه فيها وانصرف عنه ذلك العقاب فصار الشاب متحيراً في أمره ولا يدري أين يذهب
|
|
فبينما هو جالس يوماً من الأيام وإذا بقلع مركب قد لاح له في البحر كالنجمة في السماء فتعلق خاطر الشاب بالمركب لعل نجاته تكون فيه وصار ينظر إليه حتى وصل إلى قرية ، فلما وصل رأى زورقاً من العاج والأبنوس ومجاذيفه من الصندل والعود وهو مصفح جميعه بالذهب الوهاج ، وفيه عشر من الجواري الأبكار كأنهم القمار . فلما نظرنه الجواري طلعن إليه من الزورق وقبلن يده وقلن أنت الملك العريس ، ثم تقدمت إليه جارية وهي كالشمس الضاحية في السماء الصافية وفي يدها منديل حرير فيه خلعة ملوكية وتاج من الذهب مرصع بأنواع اليواقيت . فتقدمت إليه وألبسته وتوجته وحملته على الأيدي إلى ذلك الزورق فوجد فيه أنواعاً من بسط الحرير الملون ثم نشرن القلوع وسرن في لجج البحر قال الشاب : فلما سرت معهم اعتقدت أن هذا منام ولا أرى أين يذهبن بي ، فلما أشرفن على البر رأيت البر قد امتلأ بعساكر لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه وتعالى وهم متدرعون ، ثم قدموا إلي خمسة من الخيل المسمومة بسروج من ذهب مرصعة بأنواع اللآلئ والفصوص الثمينة ، فأخذت منها فرساً فركبته والأربعة سرن معي . ولما ركبت انعقدت على رأسي الرايات والأعلام ودقت الطبول وضربت الكاسات ثم ترتبت العساكر ميمنة وميسرة ، وصرت أردد هل أنا نائم أو يقظان ولم أزل سائراً لا أصدق بما أنا فيه من الموكب ، بل أظن أنه أضغاث أحلام حتى أشرفنا على مرج أخضر فيه قصور وبساتين وأشجار وأزهار وأطيار تسبح الواحد القهار ، فبينما هم كذلك وإذا بعسكر قد برز من بين تلك القصور والبساتين مثل السيل إذا انحدر إلى أن ملأ ذلك المرج ، فلما دنوا مني وقفت تلك العساكر ، وإذا بملك منهم قد تقدم بمفرده راكباً وبين يديه بعض خواصه مشاة ، فلما قرب الملك من الشاب نزل عن جواده فلما رأى الملك نزل عن جواده نزل الآخر ، ثم سلما على بعضهما أحسن سلام ثم ركبوا خيولهم ، فقال الملك للشاب : سر بنا فإنك ضيفي فسار معه الشاب وهم يتحدثون والمواكب مرتبة وهي تسير بين أيديهما إلى قصر الملك ، ثم نزلوا ودخلوا جميعاً القصر ويد الشاب في يد الملك ، ثم أجلسه على كرسي من الذهب وجلس عنده ، فلما كشف ذلك الملك اللثام عن وجهه إذا هو جارية كأنها الشمس الضاحية في السماء الصافية ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وعجب ودلال فنظر الشاب إلى نعمة عظيمة وسعادة جسيمة وصار الشاب متعجباً من حسنها وجمالها ، ثم قالت له : اعلم أيها الملك أني ملكة هذه الأرض وكل هذه العساكر التي رأيتها وجميع ما رأيته من فارس أو راجل فهو من نساء ليس فيهن رجال ، والرجال عندنا في هذه الأرض يحرثون ويزرعون ويحصدون ويشتغلون بعمارة الأرض وعمارة البلاد ومصالح الناس من سائر الصناعات ، وأما النساء فهن الحكام وأرباب المناصب والعساكر فتعجب الشاب من ذلك غاية العجب ، فبينما هم كذلك وإذا بالوزير قد دخل وإذا هي عجوز شمطاء وهي محتشمة ذات هيبة ووقار . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد فقالت لها الملكة أحضري لنا القاضي والشهود ، فمضت العجوز لذلك ثم عطفت على الشاب تنادمه وتؤانسه وتزيل وحشته بكلام لطيف ، ثم أقبلت عليه وقالت له : أترضى أن أكون لك زوجة ، فقام وقبل الأرض بين يدها فمنعته ، فقال لها : يا سيدتي أنا أقل من الخدم الذين يخدمونك ، فقالت له : أما ترى جميع ما نظرته من الخدم والعساكر والمال والخزائن والذخائر ؟ فقال لها : نعم ، فقالت له : جميع ذلك بين يديك تتصرف فيه بحيث تعطي وتهب ما بدا لك . ثم إنها أشارت إلى باب مغلق وقالت له : ذلك تتصرف فيه إلا هذا الباب فلا تفتحه فإذا فتحته ندمت حيث لا ينفعك الندم فما استتمت كلامها إلا والوزير والقاضي والشهود معها . فلما حضروا وكلهن عجائز ناشرات الشعر على أكتافهن وعليهن هيبة ووقار ، أمرتهن الملكة أن يعقدن العقد ، فزوجنها الشاب وعملت الولائم وجمعت العساكر ، فلما أكلوا وشربوا دخل عليها ذلك الشاب فوجدها بكراً عذراء ، وأقام معها سبعة أعوام في ألذ عيش وأهنأه وأطيبه ، فتذكر ذات يوم من الأيام فتح الباب ، وقال : لو لم يكن فيه ذخائر جميلة أحسن مما رأيت ما منعتني عنه ، ثم قام وفتح الباب وإذا الطائر الذي حمله من ساحل البحر وحطه في الجزيرة فلما نظره ذلك الطائر قال له لا مرحباً بوجه لا يفلح أبداً . فلما نظره وسمع كلامه هرب منه فتبعه وخطفه وطار به بين السماء والأرض مسافة ساعة وحطه في المكان الذي خطفه منه ، ثم غاب عنه فجلس مكانه ثم رجع إلى عقله وتذكر ما نظره قبل ذلك من النعمة والعز والكرامة وركوب العسكر أمامه والأمر والنهي فجعل يبكي وينتحب . ثم أقام على ساحل البحر الذي وضعه فيه ذلك الطائر مدة شهرين ، وهو يتمنى أن يعود إلى زوجته ، فبينما هو ذات ليلة من الليالي سهران حزين متفكر ، وإذا بقائل يقول وهو يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو ينادي : ما أعظم اللذات هيهات أن يرجع إليك ما فات فأكثر الحسرات . فلما سمعه ذلك الشاب يئس من لقاء تلك الملكة ومن رجوع النعمة التي كان فيها إليه ثم دخل الدار التي كان فيها المشايخ ، وعلم أنهم قد جرى لهم مثل ما جرى له وهذا الذي كان سبب بكائهم وحزنهم فعذرهم بعد ذلك . ثم إن الشاب أخذه الحزن والهم ودخل ذلك المجلس ومازال يبكي وينوح وترك المأكل والمشرب والروائح الطيبة والضحك إلى أن مات ودفنوه بجانب المشايخ . فاعلم أيها الملك أن العجلة ليست محمودة ، وإنما هي تورث الندامة وقد نصحتك بهذه النصيحة فلما سمع الملك ذلك الكلام اتعظ وانتصح ورجع عن قتل ولده . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|