العاشقة وأرباب دولتها
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن امرأة من بنات التجار كان لها زوج كثير الأسفار فسافر زوجها إلى بلاد بعيدة وأطال الغيبة فزاد عليها الحال فعشقت غلاماً ظريفاً من أولاد التجار وكانت تحبه ويحبها محبة عظيمة ، ففي بعض الأيام تنازع الغلام مع رجل فشكا الرجل إلى والي تلك البلد فسجنه فبلغ خبره زوجة التاجر معشوقته فطار عقلها عليه فقامت ولبست أفخر ملبوسها ومضت إلى منزل الوالي فسلمت عليه ودفعت له ورقة تذكر فيها أن الذي سجنته وحبسته هو أخي فلان الذي تنازع مع فلان ، والجماعة الذين شهدوا عليه قد شهدوا باطلاً وقد سجن في سجنك وهو مظلوم وليس عندي من يدخل علي ويقوم بحالي غيره واسأل من فضل مولانا إطلاقه من السجن . فلما قرأ الوالي الورقة ثم نظر إليها فعشقها ، وقال لها : أدخلي المنزل حتى أحضره بين يدي ثم أرسله إليك فتأخذينه ، فقالت له : يا مولانا ليس لي أحد إلا الله تعالى وأنا امرأة غريبة لا أقدر على دخول منزل أحد ، فقال لها الوالي : لا أطلقه لك حتى تدخلي المنزل وأقضي حاجتي منك ، فقالت له : إن أردت ذلك فلابد أن تحضر عندي في منزلي وتقعد وتنام وتستريح نهارك كله ، فقال لها : وأين منزلك ؟ فقالت له : في الموضع الفلاني ، ثم خرجت من عنده وقد اشتغل قلب الوالي . فلما خرجت دخلت على قاضي البلد وقالت له : يا سيدنا القاضي ، قال لها : نعم ، قالت له : انظر في أمري وأجرك على الله ، فقال لها : من ظلمك ؟ قالت له : يا سيدي لي أخ وليس لي أحد غيره وهو الذي كلفني الخروج إليك لأن الوالي قد سجنه وشهدوا عليه بالباطل أنه ظالم وإنما أطلب منك أن تشفع لي عند الوالي فلما نظرها القاضي عشقها ، فقال لها : ادخلي المنزل عند الجواري واستريحي معنا ساعة ونحن نرسل إلى الوالي بأن يطلق أخاك ولو كنا نعرف الدراهم التي عليه كنا دفعناها من عندنا لأجل قضاء حاجتنا لأنك أعجبتينا من حسن كلامك . فقالت له : إذا كنت أنت يا مولانا تفعل ذلك فما نلوم الغير ، فقال لها القاضي : إن لم تدخلي منزلنا فاخرجي إلى حال سبيلك ، فقالت له : إن أردت ذلك يا مولانا فيكون عندي في منزلي أستر وأحسن من منزلك فإن فيه الجواري والخدم والداخل والخارج وأنا امرأة ما أعرف شيئاً من هذا الأمر لكن الضرورة تحوج ، فقال لها القاضي : وأين منزلك ؟ فقالت له : في الموضع الفلاني ، وواعدته على اليوم الذي واعدت فيه الوالي ، ثم خرجت من عند القاضي إلى منزل الوزير فرفعت إليه قصتها وشكت إليه ضرورة أخيها وأنه سجنه الوالي فراودها الوزير عن نفسها فقال لها : نقضي حاجتنا منك ونطلق لك أخاك . فقالت له : إن أردت فيكون عندي في منزلي فإنه أستر لي ولك ولأن المنزل لي بعيداً وأنت تعرف ما نحتاج إليه من النظافة والظرافة ، فقال لها الوزير : وأين منزلك ، فقالت له : في الموضع الفلاني وواعدته على ذلك اليوم ، ثم خرجت من عنده إلى ملك تلك المدينة ورفعت إليه قصتها وسألته إطلاق أخيها ، فقال لها : من حبسه ؟ قالت له : حبسه الوالي . فلما سمع الملك كلامها رشقته بسهام العشق في قلبه ، فأمرها أن تدخل معه القصر حتى يرسل إلى الوالي ويخلص أخاها
|
|
فقالت له أيها الملك هذا أمر يسهل عليك إما باختيار وإما قهراً عني ، فإن كان الملك أراد ذلك مني فإنه من سعد حظي ولكن إذا جاء إلى منزلي يشرفني بنقل خطواته الكرام ، فقال لها الملك : لا نخالف لك أمراً ، فواعدته في اليوم الذي واعدت فيه غيره وعرفته منزلها . ثم خرجت من عنده فجاءت إلى رجل نجار، وقالت له : أريد منك أن تصنع لي خزانة بأربع طبقات بعضها فوق بعض كل طبقة بباب يقفل عليها ، وأخبرني بقدر أجرتك فأعطيك ، فقال لها : أربعة دنانير وإن أنعمت علي أيتها السيدة المصونة بالوصال فهو الذي أريد ولا آخذ منك شيئاً ، فقالت له : إن كان ولا بد فاعمل لي خمس طبقات بأقفالها ، فقال : حباً وكرامة وواعدته أن يحضر لها الخزانة في ذلك اليوم بعينه ، فقال لها النجار : يا سيدتي اقعدي حتى تأخذي حاجتك في هذه الساعة وأنا بعد ذلك أجيء على مهلي فقعدت عنده حتى عمل لها الخزانة بخمس طبقات وانصرفت إلى منزلها فوضعتها في المحل الذي فيه الجلوس ، ثم إنها أخذت أربعة ثياب وحملتها إلى الصباغ ، فصبغ كل ثوب لوناً وكل لون خلاف الآخر وأقبلت على تجهيز المأكول والمشروب والمشموم والفواكه والطيب . فلما جاء يوم الميعاد لبست أفخر ملبوسها وتزينت وتطيبت ، ثم فرشت المجلس بأنواع البسط الفاخرة وقعدت تنتظر من يأتي ، وإذا بالقاضي دخل عليها قبل الجماعة فلما رأته قامت واقفة على قدميها وقبلت الأرض بين يديه وأخذته وأجلسته على ذلك الفراش ونامت معه ولاعبته ، فأراد منها قضاء الحاجة ، فقالت له : يا سيدي اخلع ثيابك وعمامتك والبس هذه الغلالة الصفراء واجعل هذا القناع على رأسك حتى أحضر المأكول والمشروب ، وبعد ذلك تقضي حاجتك . فأخذت ثيابه وعمامته ولبس الغلالة والقناع ، وإذا بطارق يطرق الباب فقال لها القاضي : من هذا الذي يطرق الباب ؟ فقالت له : هذا زوجي ، فقال لها : وكيف العمل وأين أروح أنا ؟ فقالت له : لا تخاف فإني أدخلك هذه الخزانة ، فقال لها افعلي ما بدا لك ، فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة السفلى وأقفلت عليه ، ثم إنها خرجت إلى الباب وفتحته وإذا هو الوالي ، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وأخذته بيدها وأجلسته على ذلك الفراش وقالت له : يا سيدي إن الموضع موضعك والمحل محلك وأنا جاريتك ومن بعض خدامك وأنت تقيم هذا النهار عندي فاخلع ما عليك من الملبوس والبس هذا الثوب الأحمر فإنه ثوب النوم ، وقد جعلت على رأسه خلقاً من خرقة كانت عندها فلما أخذت ثيابه أتت إليه في الفراش ولاعبته ولاعبها فلما مد يده إليها ، فقالت له : يا مولانا هذا النهار نهارك وما أحد يشاركك فيه ولكن من فضلك وإحسانك اكتب لي ورقة بإطلاق أخي من السجن ، حتى يطمئن خاطري
|
|
فقال لها : السمع والطاعة على الرأس والعين ، وكتب كتاباً إلى خازنداره يقول فيه ساعة وصول هذه المكاتبة إليك تطلق فلاناً من غير إمهال ولا إهمال ولا ترجع حاملها بكلمة ثم ختمها وأخذتها منه ، ثم أقبلت تلاعبه على الفراش . وإذا بطارق يطرق الباب ، فقال لها : من هذا ؟ قالت زوجي ، قال : كيف أعمل ؟ فقالت له : ادخل هذه الخزانة حتى أصرفه وأعود إليك . فأخذته وأدخلته في الطبقة الثانية وقفلت عليه كل هذا والقاضي يسمع كلامها . ثم خرجت إلى الباب وفتحته وإذا هو الوزير قد أقبل ، فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وتلقته وخدمته ، وقالت له يا سيدي : لقد شرفتنا بقدومك في منزلنا يا سيدنا فلا أعدمنا الله هذه الطلعة ثم أجلسته على الفراش ، وقالت له : اخلع ثيابك وعمامتك والبس هذه التخفيفة ، فخلع ما كان عليه وألبسته غلالة زرقاء وطرطور أحمر ، فلما لبسها الوزير لاعبته على الفراش ولاعبها ، وهو يريد قضاء الحاجة منها وهي تمنعه وتقول له : يا سيدي هذا لا يفوتنا . فبينما هم في الكلام وإذا بطارق يطرق الباب ، فقال لها : من هذا ، فقالت له : زوجي ، فقال لها : كيف التدبير ؟ فقالت : قم وادخل هذه الخزانة حتى اصرف زوجي وأعود إليك ولا تخف ، ثم إنها أدخلته الطبقة الثالثة وقفلت عليه وخرجت ففتحت الباب وإذا هو الملك دخل فلما رأته قبلت الأرض بين يديه وأخذت بيده وأدخلته في صدر المكان وأجلسته على الفراش وقالت له : شرفتنا أيها الملك ولو قدمنا لك الدنيا وما فيها ما تساوي خطوة من خطواتك إلينا . فلما جلس على الفراش ، قالت له : أعطني أذناً أكلمك كلمة واحدة ، فقال لها : تكلمي ما شئت ، فقالت له : استرح يا سيدي واخلع ثيابك وعمامتك وكانت ثيابه في ذلك الوقت تساوي ألف دينار ، فلما خلعها ألبسته ثوباً خلقاً قيمته عشرة دراهم بلا زيادة وأقبلت تؤانسه وتلاعبه ، هذا كله والجماعة الذين في الخزانة يسمعون ما يحصل منهما ولا يقدر أحد أن يتكلم فلما مد الملك يده إلى عنقها وأراد أن يقضي حاجته منها ، قالت له : هذا الأمر لا يفوتنا وقد كنت قبل الآن وعدت حضرتك بهذا المجلس فلك عندي ما يسرك ، فبينما هما يتحدثان وإذا بطارق يطرق الباب ، فقال لها : من هذا ؟ قالت له : زوجي ، فقال لها : اصرفيه عنا كرماً منا وإلا فاطلع إليه أصرفه قهراً ، فقالت له : لا يكون ذلك يا مولانا بل اصبر حتى أصرفه بحسن معرفتي ، فقال لها : وكيف أفعل أنا ؟ فأخذته من يده وأدخلته في الطبقة الرابعة وقفلت عليه ، ثم خرجت إلى الباب ففتحته وإذا هو النجار
|
|
فلما دخل وسلم عليها ، قالت له : أي شيء هذه الخزائن التي عملتها ، فقال لها : ما لها يا سيدتي ، فقالت له : إن هذه الطبقة ضيقة ، فقال لها : هذه واسعة ، فقالت له : ادخل وانظرها فإنها لا تسعك ، فقال لها : هذه تسع أربعة . ثم دخل النجار ، فلما دخل قفلت عليه الطبقة الخامسة ، ثم إنها قامت وأخذت ورقة الوالي ومضت بها إلى الخازندار ، فلما أخذها قبلها وأطلق لها الرجل عشيقها من الحبس فأخبرته بما فعلته ، فقال لها : وكيف تفعلين ؟ قالت له : نخرج من هذه المدينة إلى مدينة أخرى وليس لنا بعد هذا الفعل إقامة هنا . ثم جهزوا ما كان عندهما وحملاه على الجمال وسافرا من ساعتهما إلى مدينة أخرى ، وأما القوم فإنهم أقاموا في طبقات الخزانة ثلاثة أيام بلا أكل ، فانحصروا لأن لهم ثلاثة أيام لم يبولوا ، فبال النجار على رأس السلطان وبال السلطان على رأس الوزير وبال الوزير على رأس الوالي وبال الوالي على رأس القاضي ، فصاح القاضي وقال : أي شيء هذه النجاسة أما يكفينا ما نحن فيه حتى تبولوا علينا ، فرفع الوالي صوته وقال : عظم الله أجرك أيها القاضي ، فلما سمعه عرف أنه الوالي ثم إن الوالي رفع صوته وقال : ما بال هذه النجاسة ، فرفع الوزير صوته وقال : عظم الله أجرك أيها الوالي ، فلما سمعه الوالي عرف أنه الوزير ، ثم إن الوزير رفع صوته وقال : ما بال هذه النجاسة ، فرفع الملك صوته وقال : عظم الله أجرك أيها الوزير . ثم إن الملك لما سمع كلام الوزير عرفه ثم سكت وكتم أمره ، ثم إن الوزير قال : لعن الله هذه المرأة بما فعلت معنا أحضرت جميع أرباب الدولة عندها ما عدا الملك ، فلما سمعهم الملك قال : لهم اسكتوا فأنا أول من وقع في شبكة هذه العاهرة الفاجرة ، فلما سمع النجار قولهم قال لهم : وأنا أي شيء ذنبي قد عملت لها خزانة بأربعة دنانير ذهباً وجئت أطلب الأجرة فاحتالت علي وأدخلتني هذه الطبقة وقفلتها علي ؟
|
|
ثم إنهم صاروا يتحدثون مع بعضهم وسلوا الملك بالحديث وأزالوا ما عنده من الانقباض . فجاء جيران ذلك المنزل فرأوه خالياً ، فقال بعضهم لبعض : بالأمس كانت جارتنا زوجة فلان فيه ، والآن لم نسمع في هذا الموضع صوت أحد ولا نرى فيه إنسياً فاكسروا هذه الأبواب وانظروا حقيقة الأمر لئلا يسمع الوالي أو الملك فيسجننا فنكون نادمين على أمر لم نفعله قبل ذلك ، ثم إن الجيران كسروا الأبواب ودخلوا فرأوا خزانة من خشب ووجدوا رجالاً تئن من الجوع والعطش فقالوا لبعضهم : هل يوجد جني في هذه الخزانة ؟ فقال واحد منهم : نجمع لها حطباً ونحرقها بالنار فصاح عليهم القاضي وقال : لا تفعلوا . ذلك فقال الجيران لبعضهم : إن الجن يتصورون ويتكلمون بكلام الإنس ، فلما سمعهم القاضي قرأ شيئاً من القرآن العظيم ثم قال للجيران : ادنوا من الخزانة التي نحن فيها ، فلما دنوا منها قال لهم : أنا فلان وفلان ونحن هنا جماعة ، فقال الجيران للقاضي : ومن جاء بك إلى هنا فأعلمهم الخبر من أوله إلى آخره فاحضروا نجاراً ففتح للقاضي خزانته ، وكذلك الوالي والوزير والملك والنجار ، وكل منهم بالملبوس الذي عليه . فلما طلعوا نظر بعضه لبعض وصار كل منهم يضحك على الآخر ثم إنهم خرجوا وطلبوا المرأة فلم يقفوا لها على خبر ، وقد أخذت جميع ما كان عليهم فأرسل كل منهم إلى جماعته يطلب ثياباً ، فأحضروا لهم ملبوساً ثم خرجوا مستورين به على الناس . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|