|
قالت اللبؤة : بَيِّن لي ما تقول، وأفصح لي عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من العمر? قالت اللبؤة : مائة سنة. قال الشغبر: ما كان قوتك? قالت اللبؤة : لحم الوحش. قال الشغبر : من كان يطعمك إياه? قالت اللبؤة : كنت أصيد الوحش وآكله . قال الشغبر : أرأيت الوحش التي كنت تأكلين، أما كان لها آباء وأمهات? قالت : بلى. قال الشغبر : فما بالي لا أرى ولا أسمع لتلك الآباء والأمهات من الجزع والضجيج ما أرى وأسمع لك? أما أنه لم ينزل بك ما نزل إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكيرك فيها، وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها. فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشغبر عرفت أن ذلك مما جنت على نفسها، وأن عملها كان جوراً وظلماً، فتركت الصيد، وانصرفت عن أكل اللحم إلى الثمار والمسك والعبادة . فلما رأى ذلك ورشان الذي كان صاحب تلك الغيضة وكان عيشه من الثمار. قال لها : قد كنت أظن أن الشجرة عامنا هذا لم تحمل لقلة الماء، فلما أبصرتك تأكلينها، وأنت آكلة اللحم، فتركت رزقك وطعامك وما قسم الله لك، وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته، ودخلت عليه فيه . علمت أن الشجر العام أثمرت كما كانت تثمر قبل اليوم، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك. فويل للشجر وويل للثمار وويل لمن عيشه منها ، ما أسرع هلاكهم إذا دخل عليهم في أرزاقهم، وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ولم يكن معتاداً لأكلها. فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الورشان تركت أكل الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف بضرٍ يصيبه عن ضرِّ الناس، كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها عن أكل اللحم ثم عن أكل الثمار بقول الورشان، وأقبلت على النّسك والعبادة. والناس أحق بحسن النظر في ذلك: فإنه قد قيل: ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك فإن في ذلك العدل وفي العدل رضا الله تعالى ورضا الناس
|