------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ أول موقع متخصص في القصة العربية والمترجمة للأطفال والشباب
{الموروث الشعبي}
الملك عمر النعمان

وأولاده شركان وضوء المكان ونزهة الزمان

{من روائع ألف ليلة وليلة}
وألتقى الأخوان .. ضوء الزمان ونزهة المكان
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الملك عمر النعمان بعث إلى الملك شركان رسالة ذات يوم ، فأخذها وقرأها فرأى فيها: بعد البسملة اعلم أيها الملك العزيز أني حزين حزناً شديداً على فراق الأولاد وعدمت الرقاد ولازمني السهاد وقد أرسلت هذه الرسالة إليك فحال حصولها بين يديك ترسل إلينا الخراج وترسل صحبته الجارية التي اشتريتها وتزوجت بها فإني أحببت أن أراها وأسمع كلامها لأنه جاءنا من بلاد الروم عجوز من الصالحات وصحبتها خمس جوار نهد أبكار وقد حازوا من العلم وفنون الحكمة ما يجب على الإنسان معرفته، ويعجز عن وصف هذه العجوز ومن معها اللسان فإنهن جزن أنواع العلم والفضيلة والحكمة فلما رأيتهن أحببتهن وقد اشتهيت أن يكن في قصري وفي ملك يدي لأنه لا يوجد لهن نظير عند سائر الملوك، فسألت المرأة العجوز عن ثمنهن فقالت: لا أبيعهن إلا بخراج دمشق وأنا أرى خراج دمشق قليلاً في ثمنهن، فإن الواحدة منهن تساوي أكثر من هذا المبلغ، فأجبتهن إلى ذلك ودخلت بهن قصري وبقين في حوزتي، فعجل لنا بالخراج لأجل أن تسافر المرأة بلادها وأرسل لنا الجارية لأجل أن تناظرهن بين العلماء فإذا غلبتهن أرسلتها إليك وصحبتها خراج بغداد . فلما علم ذلك شركان أقبل على صهره وقال له: هات الجارية التي زوجتك إياها فلما حضرت أوقفها على الرسالة وقال لها: يا أختي ما عندك من الرأي في رد جوابنا عليه؟ فقالت له: الرأي رأيك، ثم قالت له وقد اشتاقت إلى أهلها ووطنها: أرسلني صحبة زوجة الحاجب لأجل أن أحكي لأبي حكايتي وأخبره بما وقع لي مع البدوي الذي باعني للتاجر وأخبره بأن التاجر باعني لك وزوجني للحاجب بعد عتقي، فقال لها شركان: وهو كذلك. ثم أخذ ابنته قضى فكان وسلمها للمراضع والخدم وشرع في تجهيز الخراج وأمر الحاجب أن يأخذ الخراج والجارية صحبته ويتوجه إلى بغداد فأجابه الحاجب بالسمع والطاعة فأمر بمحفة يجلس فيها وللجارية بمحفة أيضاً ثم كتب كتاباً وسلمه للحاجب وودع نزهة الزمان وكان قد أخذ منها الخرزة وجعلها في عنق ابنته في سلسلة من خاص الذهب، ثم سافر الحاجب في تلك الليلة . فاتفق أنه خرج ضوء المكان هو والوقاد في تلك الليلة يتفرجان فرأيا جمالاً وبغالاً ومشاعل وفوانيس مضيئة فسأل ضوء المكان عن هذه الأحمال وعن صاحبها، فقيل له: هذا خراج دمشق مسافر إلى الملك عمر النعمان صاحب مدينة بغداد فقال: ومن رئيس هذه المحافل؟ قيل: هو الحاجب الكبير الذي تزوج الجارية التي تعلمت العلم والحكمة. فعند ذلك بكى بكاء شديداً وتذكر أمه وأباه وأخته ووطنه وقال للوقاد: ما بقي لي قعود هنا بل أسافر مع هذه القافلة وأمشي قليلاً حتى أصل إلى بلادي، فقال له الوقاد: أنا ما آمنت عليك في القدس إلى دمشق فكيف آمن عليك إلى بغداد وأنا أكون معك حتى تصل إلى مقصدك، فقال ضوء المكان: حباً وكرامة فشرع الوقاد في تجهيز حاله ثم شد الحمار وجعل خرجه عليه ووضع فيه شيئاً من الزاد وشد وسطه وما زال على أهبة حتى جازت عليه الأجمال والحاجب راكب على هجين والمشاة حوله وركب ضوء المكان حمار الوقاد وقال للوقاد: اركب معي ، فقال: لا أركب ولكن أكون في خدمتك . فقال ضوء المكان: لا بد أن تركب ساعة ، فقال: إذا تعبت اركب ساعة، ثم إن ضوء المكان قال للوقاد: يا أخي سوف تنظر ما أفعل بك إذا وصلت إلى أهلي، وما زالوا مسافرين إلى أن طلعت الشمس فلما اشتد عليهم الحر أمرهم الحاجب بالنزول واستراحوا وسقوا جمالهم ثم أمرهم بالمسير، وبعد خمسة أيام وصلوا إلى مدينة حماه ونزلوا بها وأقاموا بها ثلاثة أيام. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أنهم أقاموا في مدينة حماه ثلاثة أيام ثم سافروا وما زالوا مسافرين حتى وصلوا مدينة أخرى فأقاموا بها ثلاثة أيام، ثم سافروا حتى وصلوا إلى ديار بكر وهب عليهم نسيم بغداد فتذكر ضوء المكان أخته نزهة الزمان وأباه وأمه ووطنه وكيف يعود إلى أبيه بغير أخته فبكى وإن اشتكى واشتدت به الحسرات فأنشد هذه الأبيات
خليلي كم هذا التأنى واصـبر*****ولم يأتني منكم رسـول يخـبر
إلا أن أيام الـوصال قـصـيرة*****فيا ليت أيام التفـرق تـقـصـر
خذوا بيدي ثم ارحموا لصبابتي*****تلاشى بها جسمي وإن كنت أصبر
فإن تطلبوا مني سلوا أقـل لكم*****فوالله ما أسلوا لي حين أحـشر
فقال له الوقاد: اترك هذا البكاء والأنين فإننا قريبون من خيمة الحاجب، فقال ضوء المكان: لا بد من إنشادي شيئاً من الشعر لعل نار قلبي تنطفئ، فقال له الوقاد: بالله عليك أن تترك الحزن حتى تصل إلى بلادك وافعل بعد ذلك ما شئت وأنا معك حيثما كنت، فقال ضوء المكان : والله لا أفتر عن ذلك. ثم التفت إلى ناحية بغداد وكان القمر مضيئاً وكانت نزهة الزمان لم تنم تلك الليلة لأنها تذكرت أخاها ضوء المكان فقلقت وصارت تبكي، فبينما هي تبكي إذ سمعت أخاها ضوء المكان يبكي وينشد هذه الأبيات
لمع البرق اليماني*****فشجاني ما شجاني
من حبيب كان عندي*****ساقياً كأس التهاني
يا وميض البرق هل*****ترجع أيام التـداني
يا عذولي لا تلمني*****إن ربي قد بلاني
بحبيب غاب عـني*****وزمان قد دهاني
قد تأت نزهة قلبي*****عندما ولى زماني
وحوى لي الهم صرفاً*****وبكأس قد سقاني
وأراني يا خـليلي*****مت من قبل التداني
يا زماناً للتصابي*****عد قريباً بالأماني
في سرور مع أمان*****من زمان قد رماني
من لمسكين غـريب*****بات مرعوب الجنان
صار في الحزن فريداً*****بعد نزهات الزمان
حكمت فينا بـرغـم*****كف أولاد الـزمان
فلما فرغ من شعره صاح وخر مغشياً عليه. هذا ما كان من أمره. وأما ما كان من أمر نزهة الزمان فإنها كانت ساهرة في تلك الليلة لأنها تذكرت أخاها في ذلك المكان، فلما سمعت ذلك الصوت بالليل ارتاح فؤادها وقامت وتنحنحت ودعت الخادم فقال لها: ما حاجتك؟ فقالت له: قم وائتني بالذي ينشد الأشعار. فقال لها: إني لم أسمعه ولم أعرفه والناس كلهم نائمون، فقالت له: كل من رأيته مستيقظاً فهو الذي ينشد الأشعار ففتش فلم ير مستيقظاً سوى الرجل الوقاد، وأما ضوء المكان فإنه كان في غشيته، فلما رأى الوقاد الخادم واقفاً على رأسه خاف منه فقال له الخادم: هل أنت الذي كنت تنشد الأشعار وقد سمعتك سيدتنا؟ فاعتقد الوقاد أن السيدة اغتاظت من الإنشاد فخاف وقال: والله ما هو أنا، فقال له الخادم: ومن الذي كان ينشد الشعر فدلني عليه فإنك تعرفه لأنك يقظان، فخاف الوقاد على ضوء المكان وقال في نفسه: ربما يضره الخادم بشيء فقال له: لم أعرفه ، فقال له الخادم: والله إنك تكذب فإنه ما هنا قاعد إلا أنت فأنت تعرفه، فقال له الوقاد: أنا أقول لك الحق، إن الذي كان ينشد الأشعار رجل عابر طريق وهو الذي أزعجني وأقلقني فالله يجازيه ، فقال له الخادم: فإذا كنت تعرفه فدلني عليه وأنا أمسكه وآخذه إلى باب المحفة التي فيها سيدتنا وأمسكه أنت بيدك، فقال له : اذهب أنت حتى آتيك به. فتركه الخادم وانصرف ودخل وأعلم سيدته بذلك وقال: ما أحد يعرفه لأنه عابر سبيل فسكتت .ثم إن ضوء المكان لما أفاق من غشيته رأى القمر قد وصل إلى وسط السماء وهب عليه نسيم الأسحار فهيج في قلبه البلابل والأشجان فحسس صوته وأراد أن ينشد فقال له الوقاد: ماذا تريد أن تصنع؟ فقال: أريد أن أنشد شيئاً من الشعر لأطفئ به نيران قلبي، قال له: أما علمت بما جرى لي وما سلمت من القتل إلا بأخذ خاطر الخادم، فقال له ضوء المكان: وماذا جرى فأخبرني بما وقع؟ فقال: يا سيدي قد أتاني الخادم وأنت مغشي عليك ومعه عصا طويلة من اللوز وجعل يتطلع في وجوه الناس وهم نائمون ويسأل على كل من ينشد الأشعار فلم يجد من هو مستيقظ غيري فسألني فقلت له: إنه عابر سبيل فانصرف وسلمني الله منه وإلا كان قتلني فقال لي: إذا سمعته ثانياً فإت به عندنا، فلما سمع ضوء المكان ذلك بكى وقال: من يمنعني من الإنشاد فأنا أنشد ويجري علي ما يجري فإني قريب من بلادي ولا أبالي بأحد . فقال له الوقاد: أنت ما مرادك إلا هلاك نفسك، فقال له ضوء المكان: لا بد من إنشاد ، فقال له الوقاد: قد وقع الفراق بيني وبينك من هنا وكان مرادي أن لا أفارقك حتى تدخل مدينتك وتجتمع بأبيك وأمك وقد مضى لك عندي سنة ونصف وما حصل لك مني ما يضرك فما سبب إنشادك الشعر ونحن متعبين من المشي والسهر والناس قد هجعوا يستريحون من المشي ومحتاجون إلى النوم، فقال ضوء المكان: لا أعود عما أنا فيه، ثم هزته الأشجان فباح بالكتمان وأخذ ينشد هذه الأبيات
قف بالديار وحي الأربع الدرسا*****ونادها فعساها أن تجيب عـسا
فإن أجنك ليل من تـوحـشـها*****أوقد من الشوق في ظلماتها قبسا
إن صل عذاريه فـلا عـجـب*****أن يجن لسعا وأن أجتني عسلا
يا جنة فارقتها النفس مكرهة*****لولا التأسي بدار الخلد مت أسى
: وأنشد أيضاً هذين البيتين
كنا وكانـت الأيام خادمة*****والشمل مجتمع في أبهج الوطن
من لي بدار أحباب وكان بها*****ضوء المكان وفيها نزهة الزمن
فلما فرغ من شعره صاح ثلاث صيحات ثم وقع مغشياً عليه فقام الوقاد وغطاه، فلما سمعت نزهة الزمان ما أنشده من الأشعار المتضمنة لذكر اسمها واسم أخيها ومعاهدهما بكت وصاحت على الخادم وقالت: ويلك إن الذي أنشد أولاً أنشد ثانياً وسمعته قريباً مني، والله إن لم تأتني به لأنبهن عليك الحاجب فيضربك ويطردك، ولكن خذ هذه الألف دينار وائتني به برفق فإن أبى فادفع له هذا الكيس الذي فيه ألف دينار فإن أبى فاتركه واعرف مكانه وصنعته ومن أي بلاد هو وارجع بسرعة. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخادم خرج يتأمل في الناس ويدوس بينهم وهم نائمون فلم يجد أحداً مستيقظاً، فجاء إلى الوقاد فوجده قاعداً مكشوف الرأس فدنا منه وقبض على يده وقال له: أنت الذي كنت تنشد الشعر فخاف على نفسه وقال: لا يا مقدم القوم ما هو أنا، فقال الخادم: لا أتركك حتى تدلني على من كان ينشد الشعر لأني لا أقدر الرجوع إلى سيدتي من دونه، فلما سمع الوقاد كلام الخادم خاف على ضوء المكان وبكى بكاء شديداً وقال للخادم: والله ما هو أنا وإنما سمعت إنساناً عابر سبيل ينشد فلا تدخل في خطيئتي فإني غريب وجئت من بلاد القدس، فقال الخادم للوقاد: قم أنت معي إلى سيدتي وأخبرها بفمك فإني ما رأيت أحداً مستيقظاً غيرك فقال الوقاد: أما جئت ورأيتني في الموضع الذي أنا قاعد فيه وعرفت مكاني وما أحد يقدر في هذه الساعة ينشد شيئاً من الشعر سواء كان بعيداً أو قريباً لا تعرفه إلا مني، ثم قَبَّلَ رأس الخادم وأخذ بخاطره فتركه الخادم ودار دورة وخاف أن يرجع إلى سيدته بلا فائدة فاستتر في مكان غير بعيد من الوقاد
فقام الوقاد إلى ضوء المكان ونبهه وقال له: اقعد حتى أحكي لك ما جرى وحكى له ما وقع فقال له: دعني فإني لا أبالي بأحد فإن بلادي قريبة ، فقال الوقاد لضوء المكان: لأي شيء أنت مطاوع نفسك وهواك ولا تخاف من أحد وأنا خائف على روحي وروحك، بالله عليك لا تتكلم بشيء من الشعر حتى ندخل بلدك وأنا ما كنت أظنك على هذه الحالة، أما علمت أن زوجة الحاجب تريد زجرك لأنك أقلقتها وقد كانت ضعيفة وتعبانة من السفر، وكم مرة قد أرسلت الخادم يفتش عليك. فلم يلتفت ضوء المكان إلى كلام الوقاد بل صاح ثالثاً وأنشد هذه الأبيات
تركت كل لائم*****ملامه أقلقـني
يعذلني وما درى*****بابه حرضني
قال الوشاة قد سلا*****قلت لحب الوطن
قالوا فما أحـنه*****قلت فما أعشقني
قالوا فما أعـزه*****قلت فما أذلني
هيهات أن أتـركه*****لو ذقت كأس الشجن
وما أطعـت لائماً*****في الهوى يعذلني
وكان الخادم يسمعه وهو مستخف فما فرغ من شعره إلا والخادم على رأسه فلما رآه الوقاد فر ووقف بعيداً ينظر ما يقع بينهما فقال الخادم: السلام عليكم يا سيدي ، فقال ضوء المكان: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال الخادم: يا سيدي إني أتيت إليك في هذه الليلة ثلاث مرات لأن سيدتي تطلبك عندها، قال: ومن أين هذه الكلبة حتى تطلبني مقتها الله ومقت زوجها معها، وانهال على الخادم شتماً فما قدر الخادم أن يرد عليه لأن سيدته أوصته أن لا يأتي به إلا بمراده هو فإن لم يأت معه يعطيه الألف دينار، فجعل الخادم يلين له الكلام ويقول له: يا ولدي أنا ما أخطأت معك ولا جرنا عليك، فالقصد أن تصل بخطواتك الكريمة إلى سيدتنا وترجع في خير وسلامة، ولك عندنا بشارة. فلما سمع ذلك الكلام قام ومشى بين الناس والوقاد ماشي خلفه، ونظر إليه وهو يقول في نفسه: يا خسارة شبابه في الغد يشنقونه وما زال ماشياً مع الخادم حتى وصل إلى المكان ودخل الخادم على نزهة الزمان وقال لها: قد جئت بما تطلبينه وهو شاب حسن الصورة وعليه أثر النعمة ، فلما سمعت ذلك خفق قلبها وقالت له: أأمره أن ينشد شيئاً من الشعر حتى أسمعه ومن قرب وبعد ذلك أسأله عن اسمه ومن أي البلاد هو، فخرج الخادم إليه وقال له: أنشد شيئاً من الشعر حتى تسمعه سيدتي فإنها حاضرة بالقرب منك وأخبرني عن اسمك وبلدك وحالك، فقال: حباً وكرامة ولكن حيث سألتني عن اسمي فإنه محي ورسمي فني وجسمي بلي ولي حكاية تدون بالإبر على آماق البصر وها أنا في منزلة السكران الذي أكثر الشراب وحلت به الأوصاب فتاه عن نفسه واحتار في أمره وغرق في بحر الأفكار. فلما سمعت نزهة الزمان هذا الكلام بكت وزادت في البكاء والأنين وقالت للخادم: قل له هل فارقت أحداً ممن تحب مثل أمك وأبيك؟ فسأله الخادم كما أمرته نزهة الزمان فقال ضوء المكان: نعم فارقت الجميع وأعزهم عندي أختي التي فرق الدهر بيني وبينها. فلما سمعت نزهة الزمان منه هذا الكلام قالت: الله يجمع شمله بمن يحب. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن نزهة الزمان قالت للخادم: قل له أن يسمعنا شيئاً من الأشعار المتضمنة لشكوى الفراق فقال له الخادم كما أمرته سيدته فصعد الزفرات وأنشد هذه الأبيات
ليت شعري لو دروا*****أي قلب ملكوا
وفـؤادي لو درى*****أي شعب سلكوا
أتراهم سـلموا*****أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى*****في الهوى وارتبكوا
: وأنشد أيضاً هذه الأبيات
أضحى التنائي بديلاً من تدانـينا*****وناب عن طيب لقيانا تجافـينا
بنتم وبنا فما ابتلت جـوانحـنا*****شوقاً إليكم ولا جفت مـآقـينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا*****بأن نغص فقال الدهـر آمـينا
إن الزمان الذي ما زال يضحكنا*****إنا بقربكم قـد عاد يبكينا
يا جنة الخلد بدلنا بسلـسـلها*****والكوثر العذاب زقوماً وغسلينا
: ثم سكب العبرات وأنشد هذه الأبيات
لله نـذران أزر مـكاني*****وفيه أختي نزهة الـزمان
لأقضين بالصفا زماني*****ما بين غيدي خرد حـسان
وصوت عود مطرب الألحان*****مع ارتضاع كأس بنت الحان
ورشف اللمى فاتر الأجفان*****بشط نهر سال في بسـتان
فلما فرغ من شعره وسمعته نزهة الزمان كشفت ذيل الستارة عن المحفة ونظرت إليه فلما وقع بصرها على وجهه عرفته غاية المعرفة فصاحت قائلة: يا أخي يا ضوء المكان، فرفع بصره إليها فعرفها وصاح قائلاً: يا أختي يا نزهة الزمان فألقت نفسها عليه فتلقاها في حضنه ووقع الاثنان مغشياً عليهما فلما رآهما الخادم على تلك الحالة تحير في أمرهما وألقى عليهما شيئاً سترهما به وصبر حتى أفاقا من غشيتهما . فرحت نزهة الزمان غاية الفرح وزال عنها الهم والترح وتوالت عليها المسرات وأنشدت هذه الأبيات
الدهر أقسـم لا يزال مكدري*****حنثت يمينك يا زمان فكفر
السعد وافى والحبيب مساعـدي*****فانهض إلى داعي السرور وشمر
ما كنت أعتقد السوالـف جـنة*****حتى ظفرت من اللمى بالكوثـر
فلما سمع ذلك ضوء المكان ضم أخته إلى صدره وفاضت لفرط سروره من أجفانه العبرات وأنشد هذه الأبيات
ولقد ندمت على تفرق شملنا*****ندماً أفاض الدمع من أجفاني
ونذرت أن عاد الزمان يلمنا*****لا عدت أذكر فرقة بلساني
هجم السرور علي حتى أنه*****من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين صار الدمع عندك عادة*****تبكين من فرح ومن أحزان
وجلسا على باب المحفة ساعة ثم قالت: قم ادخل المحفة واحك لي ما وقع لك وأنا أحكي لك ما وقع لي، فقال ضوء المكان: احكي لي أنت أولاً، فحكت له جميع ما وقع لها منذ فارقته من الخان وما وقع لها من البدوي والتاجر وكيف اشتراها منه وكيف أخذها التاجر إلى أخيها شركان وباعها له وأن شركان أعتقها من حين اشتراها وكتب كتابه عليها ودخل بها وأن الملك أباها سمع بخبرها فأرسل إلى شركان يطلبها منه، ثم قالت له: الحمد لله الذي مَنَّ علي بك ومثل ما خرجنا من عند والدنا سوية نرجع إليه سوية، ثم قالت له: إن أخي شركان زوجني بهذا الحاجب لأجل أن يوصلني إلى والدي وهذا ما وقع لي من الأول إلى الآخر. فاحك لي أنت ما وقع لك بعد ذهابي من عندك فحكى لها جميع ما وقع له من الأول إلى الآخر وكيف مَنَّ اللهُ عليه بالوقاد وكيف سافر معه وأنفق عليه ماله وأنه كان يخدمه في الليل والنهار فشكرته على ذلك ثم قال لها: يا أختي إن هذا الوقاد فعل معي من الإحسان فعلاً لا يفعله أحد مع أحد من أحبابه ولا الوالد مع ولده حتى أنه كان يجوع ويطعمني ويمشي ويركبني وكانت حياتي على يديه، فقالت نزهة الزمان: إن شاء الله تعالى نكافئه بما نقدر عليه . ثم إن نزهة الزمان صاحت على الخادم فحضر وقبل يد ضوء المكان فقالت له نزهة الزمان: خذ بشارتك يا وجه الخير لأنه جمع شملي بأخي على يديك، فالكيس الذي معك وما فيه لك، فاذهب وائتني بسيدك عاجلاً، ففرح الخادم وتوجه إلى الحاجب ودخل عليه ودعاه إلى سيدته فأتى به ودخل على زوجته نزهة الزمان فوجد عندها أخاها فسأل عنه فحكى له ما وقع لهما من أوله إلى آخره ثم قالت: اعلم أيها الحاجب أنك ما أخذت جارية وإنما أخذت بنت الملك عمر النعمان فأنا نزهة وهذا أخي ضوء المكان .فلما سمع الحاجب القصة منها تحقق مما قالته وبان له الحق الصريح وتيقن أنه صار صهر الملك عمر النعمان فقال في نفسه: مصيري أن آخذ نيابة على قطر من الأقطار، ثم أقبل على ضوء المكان وهنأه بسلامته وجمع شمله بأخته، ثم أمر خدمه في الحال أن يهيئوا لضوء المكان خيمة وركوبه من أحسن الخيول فقالت له زوجته: إنا قد قربنا من بلادنا، فأنا أختلي بأخي ونستريح مع بعضنا ونشبع من بعضنا قبل أن نصل إلى بلادنا، فإن لنا زمناً طويلاً ونحن متفرقان، فقال الحاجب: الأمر كما تريدان . ثم أرسل إليهما الشموع وأنواع الحلاوة وخرج من عندهما وأرسل إلى ضوء المكان ثلاث بدلات من أفخر الثياب وتمشى إلى أن جاء إلى المحفة وعرف مقدار نفسه، فقالت له نزهة الزمان: أرسل إلى الخادم وأمره أن يأتي بالوقاد ويهيئ له حصاناً ويركبه ويرتب له سفرة طعام في الغداة والعشي ويأمره أن لا يفارقنا، فعند ذلك أرسل الحاجب إلى الخادم وأمره أن يفعل ذلك فقال: سمعاً وطاعة. ثم إن الخادم أخذ غلمانه وراح يفتش على الوقاد إلى أن وجده في آخر الركب وهو يشد حماره ويريد أن يهرب ودموعه تجري على خده من الخوف على نفسه ومن حزنه على فراق ضوء المكان وصار يقول: نصحته في سبيل الله فلم يسمع مني، يا ترى كيف حاله، فلم يتم كلامه إلا والخادم واقف فوق رأسه ورأى الغلمان حوله فاصفر لونه وخاف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الوقاد لما التفت فرأى الخادم واقفاً على رأسه ارتعدت فرائصه وخاف وقال وقد رفع صوته بالكلام: إنه ما عرف مقدار ما عملته معه من المعروف فأظن أنه غمز الخادم وهؤلاء الغلمان علي وأنه أشركني معه في الذنب وإذا بالخادم صاح عليه وقال له : من الذي كان ينشد الأشعار، يا كذاب؟ كيف تقول لي أنا ما أنشد الأشعار ولا أعرف من أنشدها وهو رفيقك فأنا لا أفارقك من هنا إلى بغداد والذي يجري على رفيقك يجري عليك، فلما سمع الوقاد كلامه قال في نفسه: ما خفت منه وقعت فيه ثم أنشد هذا البيت
كان الذي خفت أن يكونا*****إنا إلى الله راجعـونا
ثم إن الخادم صاح على الغلمان وقال لهم: أنزلوه عن الحمار ، فأنزلوا الوقاد عن حماره وأتوا له بحصان فركبه ومشى صحبة الركب والغلمان حوله محدقين به وقال لهم الخادم: إن عدم منه شعرة كانت بواحد منكم ولكن أكرموه ولا تهينوه، فلما رأى الوقاد الغلمان حوله يئس من الحياة والتفت إلى الخادم وقال له: يا مقدم أنا ما لي أخوة ولا أقارب وهذا الشاب لا يقرب لي ولا أنا اقرب له وإنما أنا رجل وقاد في حمام ووجدته ملقى على المزبلة مريضاً، وصار الوقاد يبكي ويحسب في نفسه ألف حساب والخادم ماش بجانبه ولم يعرفه بشيء بل يقول له: قد أقلقت سيدتنا بإنشادك الشعر أنت وهذا الصبي ولا تخف على نفسك وصار الخادم يضحك عليه سراً، وإذا نزلوا أتاهم الطعام فيأكل هو والوقاد في آنية واحدة فإذا أكلوا أمر الخادم الغلمان أن يأتوا بقلة فشرب منها ويعطيها للوقاد فيشرب لكنه لا تنشف له دمعة من الخوف على نفسه والحزن على فراق ضوء المكان وعلى ما وقع لهما في غربتهما وهما سائران والحاجب يطل تارة من باب المحفة لأجل خدمة ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان ونزهة الزمان وتارة يلاحظ الوقاد
وصارت نزهة الزمان وأخوها ضوء المكان في حديث وشكوى ولم يزالا على تلك الحالة وهم سائرون حتى قربوا من البلاد ولم يبق بينهم وبين البلاد إلا ثلاثة أيام فنزلوا وقت المساء واستراحوا ولم يزالوا نازلين إلى أن لاح الفجر فاستيقظوا وأرادوا أن يحملوا وإذا بغبار عظيم قد لاح لهم وأظلم الجو منه حتى صار كالليل الداجي، فصاح الحاجب قائلاً : أمهلوا ولا تحملوا وركب هو ومماليكه وساروا نحو ذلك الغبار، فلما قربوا منه بان من تحته عسكر جرار كالبحر الزخار وفيه رايات وأعلام وطبول وفرسان وأبطال فتعجب الحاجب من أمرهم، فلما رآهم العسكر افترقت منه فرقة قدر خمسمائة فارس وأتوا إلى الحاجب هو ومن معه وأحاطوا بهم وأحاط كل خمسة من العسكر بمملوك من مماليك الحاجب فقال لهم الحاجب: أي شيء الخبر ومن أين هذه العساكر حتى تفعل معنا هذه الأفعال؟ فقالوا له: من أنت ومن أين أتيت وإلى أن تتوجه؟ فقال لهم: أنا حاجب أمير دمشق الملك شركان ابن الملك عمر النعمان صاحب بغداد وأرض خراسان أتيت من عنده بالخراج والهدية متوجهاً إلى والده ببغداد، فلما سمعوا كلامه أرخوا مناديلهم على وجوههم وبكوا وقالوا: إن الملك عمر النعمان قد مات وما مات إلا مسموماً، فتوجه وما عليك بأس حتى تجتمع بوزيره الأكبر الوزير دندان . فلما سمع الحاجب ذلك الكلام بكى بكاء شديداً وقال: واخيبتاه في هذه السفرة وصار يبكي هو ومن معه إلى أن اختلطوا بالعسكر فاستأذنوا له الوزير دندان فأذن له وأمر الوزير بضرب خيامه وجلس على سرير في وسط الخيمة وأمر الحاجب بالجلوس، فلما جلس سأله عن خبره فأعلمه أنه حاجب أمير دمشق وقد جاء بالهدايا وخراج دمشق. فلما سمع الوزير دندان ذلك بكى عند ذكر الملك عمر النعمان، ثم قال له الوزير دندان أن عمر النعمان قد مات مسموماً وبسبب موته اختلف الناس فيمن يولونه بعده حتى أوقعوا القتل في بعضهم ولكن منعهم عن بعضهم الأكابر والأشراف والقضاة الأربعة واتفق جميع الناس على أن ما أشار به القضاة الأربعة لا يخالفهم فيه أحد، فوقع الاتفاق على أننا نسير إلى دمشق ونقصد ولده الملك شركان ونجيء به ونسلطنه من مملكة أبيه، وفيهم جماعة يريدون ولده الثاني وقالوا أنه يسمى ضوء المكان وله أخت تسمى نزهة الزمان وكانا قد توجها إلى أرض الحجاز ومضى لهما خمسن سنين ولم يقع لهما أحد على خبر، فلما سمع الحاجب ذلك علم أن القضية التي وقعت لزوجته صحيحة فاغتم لموت الملك غماً عظيماً ولكنه فرح فرحاً شديداً وخصوصاً بمجيء ضوء المكان لأنه يصير سلطاناً ببغداد مكان أبيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح التالي
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة