الجارية وابن ملك العجم
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن جارية من جواري الملك ليس لها نظير في زمانها في الحسن والجمال ، والقد والاعتدال والبهاء والدلال والأخذ بعقول الرجال ، وكانت تقول : ليس لي نظير في زماني . وكان جميع أولاد الملوك يخطبونها فلم ترض أن تأخذ واحداً منهم وكان اسمها الدنماء وكانت تقول : لا يتزوجني إلا من يقهرني في حومة الميدان بالضرب والطعان فإن غلبني أحد تزوجته بطيب قلبي وإن غلبته أخذت فرسه وسلاحه وثيابه وكتبت على جبهته هذا عتيق فلانة ، وكان أبناء الملوك يأتون إليها من كل مكان بعيد وقريب وهي تغلبهم وتعيبهم وتأخذ أسلحتهم وتلسعهم بالنار . فسمع بها ابن ملك من ملوك العجم يقال له بهرام فأعجب بها حين رآها من مسافة بعيدة واستصحب معه مالاً وخيلاً ورجالاً وذخائر من ذخائر الملوك حتى يصل إليها . فلما حضر عندها أرسل إلى والدها هدية ، فأقبل عليه الملك وأكرمه غاية الإكرام ، ثم إنه أرسل إليه مع وزرائه أنه يريد أن يخطب ابنته ، فأرسل إليه والدها وقال له : يا ولدي أما ابنتي الدنماء فليس لي عليها حكم لأنها أقسمت على نفسها أنها لا تتزوج إلا من يقهرها في حومة الميدان ، فقال له ابن الملك : وأنا ما سافرت من مدينتي إلا على هذا الشرط ، فقال الملك : في غد تلتقي معها ، فلما جاء الغد أرسل والدها إليها واستأذنها ، فلما سمعت ذلك تأهبت للحرب ولبست آلة حربها إلى الميدان فخرج ابن الملك إلى لقائها وعزم على تأديبها ، فتسامعت الناس بذلك فأتت من كل مكان فحضروا في ذلك اليوم وخرجت الدنماء وقد لبست وتمنطقت وتنقبت ، فبرز لها ابن الملك وهو في أحسن حالة وأتقن آلة من آلات الحرب وأكمل عدة ، فحمل كل واحد منهما على الآخر ثم تجاولا طويلاً واعتركا ملياً ، فنظرت منه من الشجاعة والفروسية ما لم تنظره من غيره ، فخافت على نفسها أن يخجلها بين الحاضرين ، وعلمت أنه لا محالة غالبها فأرادت مكيدته وعملت له الحيلة فكشفت عن وجهها وإذا هو أضوأ من البدر ، فلما نظر إليها ابن الملك اندهش فيه وضعفت قوته وبطلت عزيمته فاقتلعته من سرجه وصار في يدها مثل العصفور في مخلب العقاب وهو ذاهل في صورتها لا يدري ما يفعل به ، فأخذت جواده وسلاحه وثيابه ووسمته بالنار وأطلقت سبيله
|
|
فلما فاق من غشيته ، مكث أياماً لا يأكل ولا يشرب ولا ينام من القهر وتمكن حب الجارية من قلبه فصرف عبيده إلى والده وكتب له كتاباً أنه لا يقدر أن يرجع إلى بلده حتى يظفر بحاجته أو يموت دونها . فلما وصلت المكاتبة إلى والده حزن عليه وأراد أن يبعث إليه بالجيوش والعساكر ، فمنعه الوزراء من ذلك وصبروه . ثم إن ابن الملك استعمل في غرضه الحيلة فجعل نفسه شيخاً هرماً وقصد بستان بنت الملك لأنها كانت تدخل أكثر أيامها فيه ، فاجتمع ابن الملك بالخولي وقال له : إني رجل غريب من بلاد بعيدة وكنت مدة شبابي خولي وإلى الآن أحسن الفلاحة وحفظ النبات والمشموم ولا يحسنه أحد غيري . فلما سمعه الخولي فرح به غاية الفرح ، فأدخله البستان ووصى عليه جماعته فأخذ في الخدمة وتربية الأشجار والنظر في مصالح أثمارها . وبينما هو كذلك يوماً من الأيام وإذا بالعبيد قد ركضوا ومعهم البغال عليها الفراش والأواني فسأل عن ذلك ، فقالوا له : إن بنت الملك تريد أن تتفرج على ذلك البستان . فمضى وأخذ الحلي والحلل التي كانت معه من بلاده ، وجاء بها إلى البستان وقعد فيه ووضع قدامه شيئاً من تلك الذخائر وصار يرتعش ويظهر أن ذلك من الهرم . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن ابن ملك العجم جعل نفسه شيخاً كبيراً وقعد في البستان ووضع بين يديه الحلي والحلل وأظهر أنه يرتعش من الكبر والهرم والضعف . فلما كان بعد ساعة حضرت الجواري والخدم ومعهن ابنة الملك في وسطهن كأنها القمر بين النجوم ، فأقبلن وجعلن يدرن البستان ويقطفن الأثمار ، فرأين رجلاً قاعداً تحت شجرة من الأشجار فقصدنه وهو ابن الملك ونظرنه ، وإذا به شيخ كبير يرتعش بيديه ورجليه وبين يديه حلي وذخائر من ذخائر الملوك ، فلما نظرنه تعجبن من أمره فسألته عن هذه الحلي ما يصنع به ؟ فقال لهن : هذه الحلي أريد أن أتزوج بها واحدة منكن ، فتضاحكن عليه وقلن له إذا تزوجتها ما تصنع بها . فقال : كنت أقبلها قبلة واحدة وأطلقها ، فقالت له ابنة الملك : زوجتك بهذه الجارية ، فقام إليها وهو يتوكأ على عصا ويرتعش ويتعثر فقبلها ودفع لها تلك الحلي والحلل ففرحت الجارية وتضاحكن عليه ثم ذهبن إلى منازلهن . فلما كان في اليوم الثاني دخلن البستان وجئن نحوه فوجدنه جالساً في موضعه وبين يديه حلي وحلل وأكثر من الأول ، فقعدن عنده وقلن له : أيها الشيخ ما تصنع بهذه الحلي ؟ فقال : أتزوج به واحدة منكن مثل البارحة ، فقالت له ابنة الملك : قد زوجتك هذه الجارية فقام إليها وقبلها وأعطاها تلك الحلي والحلل وذهبن إلى منزلهن ، فلما رأت ابنة الملك الذي أعطاه للجواري من الحلي والحلل ، قالت في نفسها : أنا كنت أحق بذلك وما علي بذلك من بأس
|
|
فلما أصبح الصباح ، خرجت من منزلها وحدها وهي في صورة جارية من الجواري وأخفت نفسها إلى أن أتت إلى الشيخ ، فلما حضرت بين يديه قالت : يا شيخ أنا ابنة الملك هل تريد أن تتزوج بي ؟ فقال لها : حباً وكرامة ، وأخرج لها الحلي والحلل ما هو أعلى قدراً وأغلى ثمناً ثم دفعه وقام ليقبلها وهي آمنة مطمئنة ، فلما وصل إليها قبض عليها بشدة وضرب بها الأرض ، ودخل بها ، ثم قال لها : ما تعرفيني ؟ فقالت له : من أنت ؟ فقال لها : أنا بهرام ابن ملك العجم قد غيرت صورتي وتغربت عن أهلي ومملكتي من أجلك ، فقامت من تحته وهي ساكتة لا ترد عليه جواباً ولا تبدي له خطاباً مما أصابها ، وقالت في نفسها : إن قتلته فما يفيد قتله ، ثم تفكرت في نفسها وقالت : ما يسعني في ذلك إلا الهرب معه إلى بلاده ، فجعلت مالها وذخائرها وأرسلت إليه وأعلمته بذلك لأجل أن يتجهز أيضاً ويجمع ماله وتعاهدا على ليلة يسافرا فيها . ثم ركبا الخيل وسارا تحت جنح الليل ، فما أصبح الصباح حتى قطعا بلاداً بعيدة ولم يزالا سائرين حتى وصلا إلى بلاد العجم قرب مدينة أبيه ، فلما سمع والده تلقاه بالعساكر والجنود وفرح غاية الفرح ، ثم بعد أيام قلائل أرسل إلى والد الدنماء هدية وكتب له كتاباً يخبره فيه أن ابنته عنده ويطلب جهازها ، فلما وصلت الهدايا إليه تلقاها وأكرم من حضر بها غاية الإكرام وفرح بذلك فرحاً شديداً ثم أولم الولائم وأحضر القاضي والشهود وكتب كتابها على ابن الملك ، وخلع على الرسل الذين حضروا بالكتاب من عند ابن ملك العجم ، وأرسل إلى ابنته جهازها . ثم أقام معها ابن ملك العجم حتى فرق بينهما الموت . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|