|
قال : وكيف تستطيع أن تجعله تحت جناحيك ? ما أراه يتهيأ لك . قال : بلى . قال : فأرني كيف تصنع فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم الله علينا , إنكن تدرين في ساعة واحدة مثل ما ندري في سنة , وتبلغن ما لا نبلغ وتدخلن رؤؤسكن تحت أجنحتكن من البرد والريح , فهنيئاً لكن , فأرني كيف تصنع . فأدخل الطائر رأسه تحت جناحيه. فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دق بها عنقه . ثم قال : يا عدو نفسه ترى الرأي للحمامة وتعلمها الحيلة لنفسها وتعجز عن ذلك لنفسك حتى يتمكن منك عدوك ! ثم قتله وأكله . ألهمنا الله أن نكون من المؤتمرين لما يأمرون والمنتصحين بما ينصحون . فلما انتهي المنطق بالفيلسوف إلى هذا الموضع سكت الملك . فقال له الفيلسوف : أيها الملك , عشت ألف سنة وملكت الأقاليم السبعة وأعطيت من كل شيء حظاً وبلغت ما أملته من خير الدنيا والآخرة في سرور منك وقرة عين من رعيتك بك ومساعدة القضاء والقدر لك . فإنه قد كمل فيك الحلم والعلم وحسن منك العقل والنية وتم فيك البأس والجود واتفق منك القول والعمل . فلا يوجد في رأيك نقص ولا في قولك سقط ولا عيب . وقد جمعت النجدة واللين فلا توجد جباناً عند اللقاء ولا ضيق الصدر عند ما ينوبك من الأشياء . وقد جمعت لك في هذا الكتاب شمل بيان الأمور وشرحت لك جواب ما سألتني عنه منها ، تزلفاً إلى رضاك وابتغاء لطاعتك ، فأبلغتك في ذلك غاية نصحي واجتهدت فيه برأيي ونظري ومبلغ فطنتي . والله تعالي يقضي حقي بحسن النية منك في إعمال فكرك وعقلك فيما وضعت لك من النصيحة والموعظة . مع أنه ليس المنصوح بأولى بالنصيحة من الناصح ، ولا الآمر بالخير بأسعد من المطيع له فيه . فافهم ذلك أيها الملك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
|