|
|
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
|
أول موقع متخصص في القصة العربية والمترجمة للأطفال والشباب
|
السندباد البحري
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنه كان في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد رجل يقال له السندباد الحمال , وكان رجلاً فقير الحال يحمل تجارته على رأسه , فاتفق له أنه حمل في يوم من الأيام حملة ثقيلة وكان ذلك اليوم شديد الحر فتعب من تلك الحملة وعرق واشتد عليه الحر , فمر على باب رجل تاجر قدامه كنس ورش وهناك هواء معتدل , وكان بجانب الباب مصطبة عريضة , فحط الحمال حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية , قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن الحمال لما حط حملته على تلك المصطبة ليستريح ويشم الهواء , خرج عليه من ذلك الباب نسيم رائق ورائحة ذكية , فاستلذ الحمال لذلك , وجلس على جانب المصطبة فسمع في ذلك المكان نغم أوتار وعود وأصوات مطربة وأنواع إنشاد معربة , وسمع أيضاً أصوات طيور تناغي وتسبح الله تعالى باختلاف الأصوات وسائر اللغات من قماري وهزار وشحارير وبلابل وفاخت وكروان . فعند ذلك تعجب من نفسه وطرب طرباً شديداً , فتقدم إلى ذلك فوجد داخل البيت بستاناً عظيماً . ونظر فيه غلماناً وعبيداً وخداماً وحشماً وشيئاً لا يوجد إلا عند الملوك والسلاطين , وبعد ذلك هبت عليه رائحة أطعمة طيبة ذكية من جميع الألوان المختلفة والشراب الطيب , فرفع طرفه إلى السماء وقال : سبحانك يا رب يا خالق يا رزاق ترزق من تشاء بغير حساب اللهم إني أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك من العيوب يا رب لا أعترض عليك في حكمك وقدرتك فإنك لا تسأل عما تفعل وأنت على كل شيء قدير , سبحانك تغني من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء لا إله إلا أنت ما أعظم شأنك وما أقوى سلطانك وما أحسن تدبيرك , قد أنعمت على من تشاء من عبادك , فهذا المكان صاحبه في غاية النعمة وهو متلذذ بالروائح اللطيفة والمآكل اللذيذه والمشارب الفاخرة في سائر الصفات , وقد حكمت في خلقك بما تريد وما قدرته عليهم فمنهم تعبان ومنهم مستريح ومنهم سعيد ومنهم من هو مثلي في غاية التعب والذل وأنشد يقول : فكم من شقي بلا راحة ينعم في خير فيء وظل ... وأصبحت في تعب زائد وأمري عجيب وقد زاد حملي وغيري سعيد بلا شقوة ... وما حمل الدهر يوماً كحملي وكل الخلائق من نطفة ... أنا مثل هذا وهذا كمثلي ولكن شتان ما بيننا ... وشتان بين خمر وخل ولست أقول عليك افتراء ... فأنت حكيم حكمت بعدل . فلما فرغ السندباد الحمال من شعره ونظمه , أراد أن يحمل حملته ويسير إذ قد طلع عليه من ذلك الباب غلام صغير السن حسن الوجه مليح القد فاخر الملابس , فقبض على يد الحمال وقال له : ادخل كلم سيدي فإنه يدعوك , فأراد الحمال الامتناع عن الدخول مع الغلام فلم يقدر على ذلك , فحط حملته عند الباب في وسط المكان ودخل مع الغلام داخل الدار , فوجد داراً مليحة وعليها أنس ووقار ونظر إلى مجلس عظيم , فنظر فيه من السادات الكرام والموالي العظام وفيه من جميع أصناف الزهر أنواع النقل والفواكه وشيء كثير من أصناف الأطعمة النفيسة وفيه آلات السماع والطرب من أصناف الجواري الحسان كل منهن في مقامه على حسب الترتيب . وفي صدر ذلك المجلس رجل عظيم محترم قد لكزه الشيب في عوارضه , وهو مليح الصورة حسن المنظر وعليه هيبة ووقار وعز وافتخار . فعند ذلك بهت السندباد الحمال وقال في نفسه : والله إن هذا المكان من بقع الجنان أو أنه يكون قصر ملك أو سلطان , ثم تأدب وسلم عليهم وقبل الأرض بين أيديهم , وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية , قالت : بلغني أيها الملك السعيد أن السندباد الحمال لما قبل الأرض بين أيديهم , وقف منكس الرأس متخشع فأذن . له صاحب المكان بالجلوس , فجلس وقد قربه إليه وصار يؤانسه بالكلام ويرحب به , ثم إنه قدم له شيئاً من أنواع الطعام المفتخر الطيب النفيس , فتقدم السندباد الحمال وسمى وأكل حتى اكتفى وشبع وقال : الحمد لله على كل حال , ثم إنه غسل يديه وشكرهم على ذلك . فقال صاحب المكان : مرحبا بك ونهارك مبارك فما يكون اسمك وما تعاني من الصنائع? فقال له : يا سيدي اسمي السندباد الحمال وأنا أحمل على رأسي أسباب الناس بالأجرة . فتبسم صاحب المكان وقال له : اعلم يا حمال أن اسمك مثل اسمي فأنا السندباد البحري ولكن يا حمال قصدي أن تسمعني الأبيات التي كنت تنشدها وأنت على الباب . فاستحى الحمال وقال له : بالله عليك لا تؤاخذني فإن التعب والمشقة وقلة ما في اليد تعلم الإنسان قلة الأدب والسفه . فقال له : لا تستحي فأنت صرت أخي فانشد هذه الأبيات فإنها أعجبتني لما سمعتها منك وأنت تنشدها على الباب
|
فعند ذلك أنشده الحمال تلك الأبيات فأعجبته وطرب لسماعها وقال له : اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي من قبل أن أصير في هذه السعادة واجلس في هذا المكان الذي تراني فيه فإني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة , وكم قاسيت في الزمن الأول من التعب والنصب , وقد سافرت سبع سفرات وكل سفرة لها حكاية تحير الفكر , وكل ذلك بالقضاء والقدر وليس من المكتوب مفر ولا مهروب
التالي
|
|
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|
|