------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ أول موقع متخصص في القصة العربية والمترجمة للأطفال والشباب
{الموروث الشعبي}
الرشيد والجواهري
{من روائع ألف ليلة وليلة}
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة من الليالي قلقاً شديداً فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي وقال له : صدري ضيق ومرادي في هذه الليلة أن أتفرج في شوارع بغداد وأنظر في مصالح العباد بشرط أننا نتزيا بزي التجار حتى لا يعرفنا أحد من الناس، فقال له الوزير : سمعاً وطاعة . ثم قاموا في الوقت والساعة ونزعوا ما عليهم من ثياب الافتخار ولبسوا ثياب التجار وكانوا ثلاثة : الخليفة وجعفر ومسرور السياف وتمشوا من مكان إلى مكان حتى وصلوا إلى الدخلة فرأوا شيخاً قاعداً في زورق فتقدموا إليه وسلموا عليه وقالوا له : يا شيخ إنا نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا في مركبك هذا وخذ هذا الدينار أجرتك ، قال لهم : من ذا الذي يقدر على الفرجة والخليفة هارون الرشيد ينزل في كل ليلة بحر الدجلة في زورق صغير ومعه مناد ينادي ويقول : يا معشر الناس كافة من كبير وصغير وخاص وعام وصبي وغلام كل من نزل في مركب وشق الدجلة ضربت عنقه أو شنقته على صاري مركبه وكأنكم به في هذه الساعة وزورقه مقبل، فقال الخليفة وجعفر : يا شيخ خذ هذين الدينارين وادخل بنا قبة من هذه القباب إلى أن يروح زورق الخليفة ، فقال لهم الشيخ : هاتوا الذهب والتوكل على الله تعالى، فأخذ الذهب وعوم بهم قليلاً وإذا بالزورق قد أقبل من كبد الدجلة وفيه الشموع والمشاعل مضيئة فقال لهم الشيخ: أما قلت لكم أن الخليفة يشق في كل ليلة ؟ ثم إن الشيخ صار يقول : يا ستار لا تكشف الأستار ودخل بهم في قبة ووضع عليهم مئزراً أسوداً وصاروا يتفرجون من تحت المئزر فرأوا في مقدم الزورق رجلاً بيده مشعل من الذهب الأحمر وهو يشعل فيه بالعود القاقلي وعلى ذلك الرجل قباء من الأطلس الأحمر وعلى كتفه مزركش أصفر وإلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفه الآخر محلاة من الحرير الأخضر ملآنة بالعود القاقلي يوقد منها المشعل عوضاً عن الحطب ورأوا رجلاً آخر في الزورق لابساً مثل لبسه وبيده مشعل مثل المشعل الذي معه ورأوا في الزورق مائتي مملوك واقفين يميناً ويساراً ووجد كرسياً من الذهب الأحمر منصوباً وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطراز من الذهب الأصفر وبين يديه إنسان كأنه الوزير جعفر وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور وبيده سيف مشهور ورأوا عشرين نديماً . فلما رأى الخليفة ذلك قال : يا جعفر . قال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : لعل هذا واحد من أولادي إما المأمون وإما الأمين ، ثم تأمل الشاب وهو جالس على الكرسي فرآه كامل الحسن والجمال والقد والإعتدال ، فلما تأمله التفت إلى الوزير وقال : يا وزير ، قال : لبيك ، قال : والله إن هذا الجالس لم يترك شيئاً من شكل الخلافة والذي بين يديه كأنك أنت يا جعفر والخادم الذي وقف على رأسه كأنه مسرور وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي وقد حار عقلي في هذا الأمر يا جعفر ، فقال له جعفر : وأنا والله يا أمير المؤمنين
ثم ذهب الزورق حتى غاب عن العين، فعند ذلك خرج الشيخ بزورقه وقال : الحمد لله على السلامة حيث لم يصادفنا أحد . فقال الخليفة : يا شيخ وهل الخليفة في كل ليلة ينزل دجلة ؟ قال : نعم يا سيدي وله على هذه الحالة سنة كاملة . فقال الخليفة : يا شيخ نشتهي من فضلك أن تقف لنا هنا الليلة القابلة ونحن نعطيك خمسة دنانير ذهباً فإننا قوم غرباء وقصدنا النزهة ونحن نازلون في الفندق ، فقال له الشيخ : حباً وكرامة ، ثم إن الخليفة وجعفراً ومسروراً توجهوا من عند الشيخ إلى القصر وقلعوا ما كان عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك وجلس كل واحد في مرتبته ودخل الأمراء والوزراء والحجاب والبواب وانعقد المجلس بالناس . فلما انقضى المجلس وتفرقت أجناس الناس وذهب كل واحد إلى حال سبيله ، قال الخليفة هارون الرشيد : يا جعفر انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني ، فضحك جعفر ومسرور ولبسوا لبس التجار وخرجوا يشقون وهم في غاية الانشراح وكان خروجهم من باب السر . فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الزورق قاعداً لهم في الانتظار . فنزلوا عنده في المركب فما استقر بهم الجلوس مع الشيخ ساعة حتى جاء زورق الخليفة الثاني وأقبل عليهم فالتفتوا إليه وأمعنوا فيه النظر فوجدوا فيه مائتي مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية ينادون على عادتهم ، فقال الخليفة : يا وزير هذا شيء لو سمعت به ما كنت أصدقه ولكنني رأيت ذلك عياناً . ثم إن الخليفة قال لصاحب الزورق الذي هم فيه : خذ يا شيخ هذه العشرة دنانير وسر بنا في محاذاتهم فإنهم في النور ونحن في الظلام فننظرهم ونتفرج عليهم وهم لا ينظروننا ، فأخذ الشيخ العشرة دنانير ومشى بزورقه في محاذاتهم وساروا في ظلام زورقهم وما زالوا سائرين في ظلام الزورق إلى البساتين . فلما وصلوا إلى البستان رأوا زريبة ، فرسي عليها الزورق وإذا بغلمان واقفين ومعهم بغلة مسرجة بلجمة فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء وصاحت المشاعلية واشتغلت الحاشية بشأن الخليفة الثاني هارون الرشيد هو وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم فلاحت من المشاعلية التفاتة فرأوا ثلاثة أشخاص لبسهم لباس تجار وهم غرباء الديار فأنكروا عليهم وغمزوا وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني ، فلما نظرهم قال لهم : كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي أتى بكم في هذا الوقت ؟ قالوا : يا مولانا نحن قوم من التجار غرباء الديار وقدمنا في هذا اليوم وخرجنا نتمشى الليلة وإذا بكم قد أقبلتم فجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين يديك وهذا خبرنا
فقال الخليفة الثاني : لا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم ، ثم التفت إلى وزيره وقال : خذ هؤلاء صحبتك فإنهم ضيوفنا في هذه الليلة ، فقال : سمعاً وطاعة لك يا مولانا ، ثم ساروا معه إلى أن وصلوا إلى قصر عال عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب وبابه من خشب الصاج مرصع بالذهب الوهاج يصل منه الداخل إلى إيوان بفسقية وشاذروان وبسط ومخدات من الديباج ونمارق وطاولات ، وهناك ستر مسبول وفرش يذهل العقول ويعجز من يقول وعلى الباب مكتوب هذان البيتان
قصر عليه تحية وسلام*****خلعت عليه جمالها الأيام
فيه العجائب والغرائب نوعت*****فتحيرت في فنها الأقلام
ثم دخل الخليفة الثاني والجماعة صحبته إلى أن جلس على كرسي مذهب مرصع بالجواهر وعلى الكرسي سجادة من الحرير الأصفر وقد جلست الندماء ووقف سياف النقمة بين يديه فمدوا السماط وأكلوا ورفعت الأواني وغسلت الأيادي واصطفت القناني والكاسات ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد فامتنع من الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب؟ فقال : يا مولاي إن له مدة ما شرب من هذا . فقال الخليفة الثاني : عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك وهو شراب التفاح ثم امر به فأحضروه في الحال فتقدم الخليفة الثاني بين يدي هارون الرشيد وقال له : كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا الشراب وما زالوا في انشراح إلى أن تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخليفة الثاني هو وجلساؤه ما زالوا يشربون حتى تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم فقال الخليفة هارون الرشيد لوزيره جعفر : والله ما عندنا آنية مثل هذه الآنية فيا ليت شعري ما شأن هذا الشاب فبينما هما يتحدثان سراً إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يتساور مع الخليفة فقال : إن المساورة عربدة ، فقال الوزير : ما ثم عربدة إلا رفيقي هذا ، يقول : إني سافرت إلى غالب البلاد ونادمت أكابر الملوك وعاشرت الأجناد فما رأيت أحسن من هذا النظام ولا أبهج من هذه الليلة غير أن أهل بغداد يقولون : الشراب بلا سماع ربما أورث الصداع . فلما سمع الخليفة الثاني ذلك تبسم وانشرح وكان بيده قضيب فضرب به على مدوره وإذا بباب فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من العاج مصفحاً بالذهب الوهاج وخلفه جارية بارعة في الحسن والجمال والبهاء والكمال فنصب الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية في السماء الصافية وبيدها عود عمل صناع الهنود فوضعته في حجرها وانحنت عليه انحناء الوالدة على ولدها وغنت عليه بعد أن أطربت وقلبت أربعاً وعشرين طريقة حتى أذهلت العقول ثم عادت إلى طريقتها الأولى وأطربت بالنغمات وأنشدت هذه الأبيات
لسان الهوى في مهجتي لك ناطق يخبر عني أنني لـك عـاشـق
ولي شاهد من حر قلب معـذب*****وطرف قريح والدموع سوابق
وما كنت أدري حبك ما الهوى*****ولكن قضاء الله في الخلق سابق
فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة وشق البدلة التي كانت عليه من الذيل وأسبلت عليه الستارة وأتوه ببدلة غيرها أحسن منها فلبسها ثم جلس على عادته ، فلما وصل إليه القدح ضرب بالقضيب على المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من الذهب وخلفه الجارية الثاتية أحسن من الأولى فجلست على ذلك الكرسي وبيدها عود يكمد قلب الحسود فغنت عليه هذين البيتين
كيف اصطباري ونار الشوق في كبدي*****والدمع من مقلتي طوفانه أبدي
والله ما طاب لـي عـيش أسر به*****فكيف يفرح قلب حشـوه كمدي
فلما سمع الشاب هذا الشعر صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من الثياب إلى الذيل وانسبلت عليه الستارة وأتوه ببدلة أخرى فلبسها واستوى جالساً إلى حالته الأولى وانبسط في الكلام فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة فخرج خادم وراءه جارية أحسن من التي قبلها ومعه كرسي فجلست الجارية على الكرسي وبيدها عود فغنت عليه هذه الأبيات
أقصروا الهجر أو أقلوا جفاكم*****ففؤادي وحقكم ما سلاكم
وارحموا مدنفاً كئيباً حزيناً*****ذا غرام متيماً في هـواكم
قد برته السقام من فرط وجد*****فتمنى من الإله رضاكم
يا بدوراً محلها فـي فـؤادي*****كيف أختار في الأنام سواكم
فلما سمع الشاب هذه الأبيات صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من الثياب فأرخوا عليه الستارة وأتوه بثياب غيرها ثم عاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح فلما وصل القدح إليه ضرب على المدورة فانفتح الباب وخرج منه غلام ومعه كرسي وخلفه جارية فنصب لها الكرسي وجلست عليه وأخذت العود وأصلحته وغنت عليه بهذه الأبيات
حتى متى يبقى التهاجر والقلى*****ويعود لي ما قد مضلا لي أولا
من أمس كنا والديار تلمنا*****في أنسنا ونرى الحواسد عقلا
غدر الزمان بنا وفرق شملنا*****من بعد ما ترك المنازل كالخلا
أتروم مني يا عذولي سلوة*****وأرى فؤادي لا يطيع العـدلا
فدع الملام وخلني بصبابتي*****فالقلب من أنس الأحبة ما خلا
يا سادة نقضوا العهود وبذلوا*****لا تحسبوا قلبي بعدكم سلا
فلما سمع الخليفة الثاني إنشاد الجارية صرخ صرخة عظيمة وشق ما عليه من ثياب وخر مغشياً عليه فأرادوا أن يرخوا عليه الستارة كالعادة فتوقفت حبالها فلاحت من هارون الرشيد التفاتة إليه فنظر إلى بدنه فرأى آثار ضرب مقارع . فقال هارون الرشيد بعد النظر والتأكيد : يا جعفر والله إنه شاب مليح إلا انه لص قبيح . فقال جعفر : من أين عرفت ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أما رأيت ما على جنبيه من أثر السياط ، ثم أسبلوا عليه الستارة وأتوه ببدلة غير التي كانت عليه واستوى جالساً على حالته الأولى مع الندماء فلاحت منه التفاتة فوجد الخليفة وجعفر يتحدثان سراً فقال لهما : ما الخبر يا فتيان ؟ فقال جعفر : يا مولانا خيراً ، غير أنه لا خفاء عليك إن رفيقي هذا من التجار وقد سافر جميع الأمصار والأقطار وصحب الملوك والخيار وهو يقول لي : إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم ولم أر أحداً فعل مثل فعله في سائر الأقاليم، لأنه شق كذا وكذا بدلة كل بدلة بألف دينار وهذا إسراف زائد . فقال الخليفة الثاني : يا هذا إن المال مالي والقماش قماشي وهذا من بعض الإنعام على الخدام والحواشي فإن كل بدلة شققتها لواحد من الندماء الحضار وقد رسمت لهم مع كل بدلة بخمسمائة دينار، فقال الوزير جعفر : نعم ما فعلت يا مولانا ثم أنشد هذين البيتين
بنت المكارم وسط كفك منزلا*****وجعلت مالك للأنام مباحا
فإذا المكارم أغلقت أبوابها*****كانت يداك لقفلها مفتاحا
فلما سمع الشاب هذا الشعر من الوزير جعفر رسم له بألف دينار وبدلة ثم دارت بينهم الأقداح ، فقال الرشيد : يا جعفر اسأله عن الضرب الذي على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه . فقال : لا تعجل يا مولاي وترفق بنفسك فإن الصبر أجمل ، فقال : وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله لأخمدن منك الأنفاس فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال له : مالك مع رفيقك تتساوران فأخبرني بشأنكما ؟ فقال : خير . فقال : سألتك بالله أن تخبرني بخبركما ولا تكتما عني شيئاً من أمركما . فقال : يا مولاي إنه أبصر على جنبيك ضرباً وأثر سياط ومقارع فتعجب من ذلك غاية العجب ، وقال : كيف يضرب الخليفة وقصده أن يعلم ما السبب ؟ فلما سمع الشاب ذلك تبسم وقال : اعلموا أن حديثي غريب وأمري عجيب لو كتب بالإبر على أماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر . ثم صعد الزفرات وانشد هذه الأبيات
حديثي عجيب فاق كل العجائب*****وحق الهوى ضاقت على مذاهبي
فإن شئتموا أن تسمعوا لي فأنصتوا*****ويسكت هذا الجمع من كل جانب
وأصغوا إلى قولي ففيه إشارة*****وإن كلامي صادق غـير كاذب
فإني قتيل من غرام ولوعة*****وقاتلتي فاقت جميع الكواكب
لها مقلة كحلاء مثل مهند*****وترمي سهاماً من قسي الحواجب
وقد حس قلبي أن فيكم أمامنا*****خليفة هذا الوقت وابن الأطايب
وثانيكم هو المنادي بجعفر*****لديه وزير صاحب وابن الأصاحب
وثالثكم مسرور سياف نقمة*****فإن كان هذا القول ليس بكاذب
لقد نلت ما أرجو من المر كله*****وجاء سرورالقلب من كل جانب
فلما سمعا منه هذا الكلام حلف له جعفر وروى في يمينه أنهم لم يكونوا المذكورين فضحك الشاب وقال : اعلموا يا سادتي أني لست أمير المؤمنين وإنما سميت نفسي بهذا لأبلغ ما أريد من أولاد المدينة وإنما اسمي محمد علي بن علي الجواهري وكان أبي من الأعيان فمات وخلف لي مالاً كثيراً من ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وياقوت وزبرجد وجواهر وعقارات وحمامات وغيطان وبساتين ودكاكين وطوابين وعبيد وجواري وغلمان . فاتفق في بعض الأيام إني كنت جالساً في دكاني وحولي الخدم والحشم وإذا بجارية قد أقبلت راكبة على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار . فلما قربت مني نزلت على دكاني وجلست عندي وقالت لي : هل أنت محمد الجواهري؟ فقلت لها : نعم هو أنا مملوكك وعبدك . فقالت : هل عندك جوهر يصلح لي ؟ فقلت لها : يا سيدتي الذي عندي أعرضه عليك وأحضره بين يديك وكان عندي مائة عقد من الجوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء من ذلك وقالت : أريد أحسن مما رأيت وكان عندي عقد صغير اشتراه والدي بمائة ألف دينار ولم يوجد مثله عند أحد من السلاطين الكبار ، فقلت لها : يا سيدتي بقي عندي عقد من الفصوص والجواهر التي لا يملك مثلها أحد من الأكابر والأصاغر . فقالت لي : أرني إياه . فلما رأته قالت : هذا مطلوبي وهو الذي طول عمري أتمناه . ثم قالت لي : كم ثمنه ؟ فقلت لها : ثمنه على والدي مائة ألف دينار ، فقالت : ولك خمسة آلاف دينار فائدة ، فقلت : يا سيدتي العقد وصاحبه بين يديك ولا خلاف عندي ، فقالت : لا بد من الفائدة ولك المنة الزائدة . ثم قامت من وقتها وركبت البغلة بسرعة وقالت لي : يا سيدي باسم الله تفضل صحبتنا لتأخذ الثمن فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن . فقمت وأقفلت الدكان وسرت معها في أمان إلى أن وصلنا الدار فوجدتها داراً عليها آثار السعادة لائحة وبابها مزركش بالذهب والفضة واللازورد مكتوب عليه هذان البيتان
ألا يا دار لا يدخلك حـزن*****ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيف*****إذا ما ضاق بالضيف المكان
فنزلت الجارية ودخلت الدار وأمرتني بالجلوس على مصطبة الباب إلى أن يأتي الصيرفي ، فجلست على باب الدار ساعة وإذا بجارية خرجت إلي وقالت : يا سيدي أدخل الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح . فقمت ودخلت الدهليز وجلست على الدكة فبينما أنا جالس إذا بجارية خرجت إلي وقالت لي : يا سيدي إن سيدتي تقول لك ادخل واجلس على باب الديوان حتى تقبض مالك ، فقمت ودخلت البيت وجلست لحظة وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت مني ذلك العقد وقد أسفرت عن وجه كأنه دارة القمر والعقد في عنقها . فطاش عقلي واندهش لبي من تلك الجارية لفرط حسنها وجمالها . فلما رأتني قامت من فوق الكرسي وسعت نحوي وقالت لي : يا نور عيني هل من كان مليحاً مثلك ما يرثي لمحبوبته ؟ فقلت : يا سيدتي الحسن كله فيك وهو من بعض معانيك ، فقالت : يا جواهري ، اعلم أني أحبك وما صدقت أني أجيء بك عندي ، ثم إنها مالت علي فقبلتها وقبلتني وإلى جهتها جذبتني وعلى صدرها رمتني ثم إنها علمت من حالي أنني أريد وصالها ، فقالت : يا سيدي أتريد أن تجتمع بي في الحرام والله لا كان من يفعل مثل هذه الآثام ويرضى بقبح الكلام فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد ولست مجهولة في البلد ، أتعلم من أنا ؟ فقلت : لا والله يا سيدتي ، فقالت : أنا السيدة دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي وأخي جعفر وزير الخليفة . فلما سمعت ذلك منها أحجمت بخاطري عنها وقلت لها : يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم عليك أنت من أطمعتني في وصالك بالوصول إليك ، فقالت : لا بأس عليك ولا بد من بلوغك المراد بما يرضي الله فإن أمري بيدي والقاضي ولي عقدي والقصد أن أكون لك أهلاً وتكون لي بعلاً . ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود ، فلما حضروا قالت لهم : محمد علي بن علي الجواهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد في مهري وأنا قبلت ورضيت فكتبوا كتابي عليها ودخلت بها وأحضرت آلات الراح ودارت الأقداح بأحسن نظام وأتم أحكام وأمرت جارية عوادة أن تغني فأخذت العود وأطربت النغمات وأنشدت هذه الأبيات
بدا فأراني الظبي والغصن والبدرا*****فتباً لقلب لا يبيت به معـزى
مليح أراد الله إطفاء فتنة*****بعارضه فاستؤنفت فتنة أخرى
أغالط عذابي إذا ذكروا له*****حديثاً كأني لا أحب له ذكرا
وأصغي إذا فاهوا بغير حديثه*****بسمعي ولكني أذوب به فكرا
نبي جمال كل ما فيه معجز*****الحسن ولكن وجهه الآية الكبرا
أقام بلال الحال في صحن خده*****تراقب من تلألأ غرته الفجرا
يريد سلوى العاذلين جبالة*****وما كنت أرضى بعد إيماني الكفرا
فأطربت الجارية بما أبدته من نغمات الأوتار ورقيق الأشعار ، ولم تزل الجواري تغني جارية بعد جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوار ثم إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه فرش من سائر الألوان وخلوت بها خلوة الأحباب وفرحت بها، ولم أر في عمري ليلة أطيب من تلك الليلة ، وأنشدت هذين البيتين
طوقته طوق الحمام بساعدي*****وجعلت كفي للثام مباحا
هذا هو الفوز العظيم ولم نزل*****متعانقين فلا نريد براحا
ثم أقمت عندها شهراً كاملاً وقد تركت الدكان والأهل والأوطان فقالت لي يوماً : يا نور العين يا سيدي محمد إني قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام فاستقر أنت على هذا السرير ولا تنتقل من مكانك إلى أن أرجع إليك وحلفتني على ذلك ، فقلت لها : سمعاً وطاعة . ثم إنها حلفتني أني لا أنتقل من موضعي وأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام فو الله يا أخواني ما لحقت أن تصل إلى رأس الزقاق إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وقالت : يا سيدي محمد إن السيدة زبيدة تدعوك فإنها سمعت بأدبك وظرفك وحسن غنائك ، فقلت لها : والله ما أقوم من مكاني حتى تأتي السيدة دنيا . فقالت العجوز : يا سيدي لا تجعل السيدة زبيدة تغضب عليك وتبقى عدوتك فقم كلمها وارجع إلى مكانك . فقمت من وقتي وتوجهت إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى السيدة زبيدة ، فلما وصلت إليها قالت لي : يا نور العين هل أنت معشوق السيدة دنيا ، فقلت : أنا مملوكك وعبدك ، فقالت : صدق الذي وصفك بالحسن والجمال والأدب والكمال فإنك فوق الوصف والمقال ولكن غن لي حتى أسمعك . فقلت : سمعاً وطاعة ، فأتتني بعود فغنيت عليه بهذه الأبيات
قلب المحب مع الأحباب مغلوب*****وجسمه بيد الأسقام منهوب
ما في الرجال وقد زمت ركائبهم*****إلا محب له في الركب محبوب
أستودع الله في أطنابكم قمراً*****يهواه قلبي وعن عيني محجوب
يرضى ويغضب ما أحلى تدللـه*****وكل ما يفعله المحبوب محبوب
فلما فرغت من الغناء قالت لي : أصح الله بدنك وطيب أنفاسك فلقد كملت في الحسن والأدب والغناء فقم وامض إلى مكانك قبل أن تجيء السيدة دنيا فلا تجدك فتغضب عليك . فقبلت الأرض بين يديها وخرجت من عندها وجئت إلى السرير فوجدتها قد جاءت من الحمام وهي نائمة على السرير فقعدت عند رجليها وكبستها ففتحت عينيها فرأتني تحت رجلها ، فرفستني ورمتني من فوق السرير وقالت لي : يا خائن خنت اليمين وحنثت فيه ووعدتني أنك لا تنتقل من مكانك وأخلفت الوعد وذهبت إلى السيدة زبيدة والله لولا خوفي من الفضيحة لهدمت قصرها على رأسها . فتقدم العبد وشرط من ذيله رقعة وعصب عيني وأراد أن يضرب عنقي ، فقامت إليها الجواري الكبار والصغار وقلن لها : يا سيدتنا ليس هذا أول من أخطأ وهو لا يعرف خلقك وما فعل ذنباً يوجب القتل . فقالت : والله لا بد أن أعمل فيه أثراً . ثم أمرت أن يضربوني فضربوني على أضلاعي وهذا الذي رأيتموه أثر ذلك الضرب وبعد ذلك أمرت بإخراجي فأخرجوني وأبعدوني عن القصر ورموني فحملت نفسي ومشيت قليلاً حتى وصلت إلى منزلي وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مداواتي . فلما شفيت ودخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام جئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت لي أربعمائة مملوك فما جمعهم أحد من الملوك وصار يركب معي منهم في كل يوم مائتان وعملت هذا الزورق وصرفت عليه خمسة آلاف دينار من الذهب وسميت نفسي بالخليفة ورتبت من معي من الخدم واحد في وظيفة واحد من أتباع الخليفة وهيأته بهيئته وناديت أن كل من يتفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة ولي على هذه الحال سنة كاملة وأنا لم أسمع لها خبراً ولم أقف لها على أثر . ثم إنه بكى وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات
والله ما كنت طول الدهر ناسيها*****ولا دنوت إلى من ليس يدنيها
كأنها البدر في تكوين خلقتها*****سبحان خالقها سبحان باريها
قد صيرتني حزيناً ساهراً دنفاً*****والقلب قد حار مني في معانيها
فلما سمع هارون الرشيد كلامه وعرف وجده ولوعته وغرامه تدله ولهاً وتخير عجباً وقال : سبحان الله الذي جعل لكل شيء سبباً ثم إنهم استأذنوا الشاب في الانصراف فأذن لهم وأضمر له الرشيد على الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف . ثم انصرفوا من عنده سائرين وإلى محل الخلافة متوجهين فلما استقر بهم الجلوس وغيروا ما عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب المواكب ووقف بين أيديهم مسرور سياف النقمة قال الخليفة لجعفر : يا وزير ، علي بالشاب الذي كنا عنده في الليلة الماضية ، فقال : سمعاً وطاعة . ثم توجه إليه وسلم عليه وقال له : أجب أمير المؤمنين الخليفة هارون الرشيد . فسار معه إلى القصر ، فلما دخل على الخليفة قبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز والإقبال وبلوغ الآمال ودوام النعم وإزالة البؤس والنقم ، وقد أحسن ما به تكلم حيث قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حومة الدين . فتبسم الخليفة في وجهه ورد عليه السلام والتفت إليه بعين الإكرام وقربه لديه وأجلسه بين يديه وقال له : يا محمد علي أريد منك أن تحدثني بما وقع لك في هذه الليلة فإنه من العجائب وبديع الغرائب ، فقال الشاب : العفو يا أمير المؤمنين إعطني منديل الأمان ليسكن روعي ويطمئن قلبي فقال له الخليفة : عليك الأمان من الخوف والأحزان ، فشرع الشاب يحدثه بالذي حصل له من أوله إلى آخره فعلم أن الصبي عاشق وللمعشوق مفارق فقال له : أتحب أن أردها عليك ؟ قال : هذا من فضل أمير المؤمنين ، ثم أنشد هذين البيتين
ألثم أنامله فلسن أناملاً*****لكنهن مفاتح الأرزاق
وأشكر صنائعه فلسن صنائعاً*****لكنهن قلائد أعناق
فعند ذلك التفت الخليفة إلى الوزير وقال له : يا جعفر أحضر لي أختك دنيا بنت الوزير يحيى بن خالد ، فقال : سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين، ثم أحضرها في الوقت والساعة فلما تمثلت بين يديه قال لها الخليفة : أتعرفين من هذا ؟ قالت : يا أمير المؤمنين من أين للنساء معرفة الرجال ؟ فتبسم الخليفة وقال لها : يا دنيا هذا حبيبك محمد بن علي الجواهري وقد عرفنا الحال وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا ظاهرها والأمر لا يخفى وإن كان مستوراً . فقالت : يا أمير المؤمنين كان ذلك في الكتاب مسطوراً وأنا أستغفر الله العظيم مما جرى مني وأسألك من فضلك العفو عني . فضحك الخليفة هارون الرشيد وأحضر القاضي والشهود وجدد عقدها على زوجها محمد بن علي الجواهري وحصل لها وله سعد السعود وكماد الحسود وجعله من جملة ندمائه واستمروا في سرور ولذة وحبور إلى أن أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة