القسري والسارق الشريف
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن خالد بن عبد الله القسري كان أمير البصرة فجاء إليه جماعة متعلقون بشاب ذي جمال باهر وأدب ظاهر وعقل وافر وهو حسن الصورة طيب الرائحة وعليه سكينة ووقار فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته ، فقالوا : هذا لص أصبناه البارحة في منزلنا . فنظر إليه خالد فأعجبه حسن هيئته ونظافته فقال : حلوا عنه ثم دنا منه وسأله عن قصته ، فقال : القوم صادقون فيما قالوه والأمر على ما ذكروا ، فقال له خالد : ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة ؟ قال : حملني على ذلك الطمع في الدنيا وقضاء الله سبحانه وتعالى . فقال له خالد : ثكلتك أمك ، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك ، وحسن أدبك زاجر يزجرك عن السرقة ؟ قال : دع عنك هذا أيها الأمير وامض إلى ما أمر الله تعالى به فذلك ما كسبت يداي وما الله بظلام للعبيد . فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى . ثم أدناه منه وقال له : إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقاً ولعل لك قصة غير السرقة فأخبرني بها ؟ قال : أيها الأمير لا يقطع نفسك شيء سوى ما اعترفت به عندك وليس لي قصة أشرحها إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت ما أمكنني فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك . فأمر خالد بحبسه وأمر مناد ينادي بالبصرة : إلى من أحب أن ينظر إلى عقوبة اللص وقطع يده فليحضر من الغداة إلى المحل الفلاني . فلما استقر الفتى في الحبس ووضعوا في رجليه الحديد تنفس الصعداء، وأفاض العبرات وأنشد هذه الأبيات
|
- هددني خالد بقطع يدي*****إذا لم أبح عنده بقصتها
-
- فقلت هيهات أن أبوح بما*****تضمن القلب من محبتها
-
- قطع يدي الذي اعترفت به*****أهون للقلب من فضيحتها
-
|
|
فسمع ذلك الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بما حصل منه فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده فلما حضر لمنطقته رآه عاقلاً أديباً فطناً لبيباً فأمر بطعام فأكل وتحدث معه ساعة كاملة ثم قال له خالد : قد علمت أن لك قصة غير السرقة فإذا كان الصباح وحضر الناس وحضر القاضي وسألك عن السرقة فأنكرها واذكر ما يدرأ عنك حد القطع ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادرؤوا الحدود بالشبهات ثم أمر به إلى السجن فمكث فيه ليلته . فلما أصبح الصباح حضر الناس ليروا قطع يد الشاب ولم يبق أحد في البصرة من رجل وامرأة إلا وقد حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم ثم استدعى القضاة وأمر بإحضار الفتى فأقبل يحجل في قيوده، ولم يره أحد من الناس إلا وبكى عليه . وارتفعت أصوات النساء بالنحيب فأمر القاضي بتسكيت النساء ، ثم قال له : إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فلعلك سرقت دون النصائب ؟ قال : بل سرقت نصاباً كاملاً ، قال : لعلك شريك القوم في شيء منه ؟ قال : بل هو جميعه لهم ولا حق لي فيه ، فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط وقال متمثلاً بهذا البيت
|
|
يريد المرء أن يعطى مناه*****ويأبى الله إلا ما يريد
|
|
ثم دعا بالجزار ليقطع يده وأخرج السكين ومد يده ووضع عليها السكين فبادرت جارية من وسط النساء عليها أطوار وسخة فصرخت ورمت نفسها عليه ثم أسفرت عن وجه كأنه القمر وارتفع في الناس ضجة عظيمة وكاد أن يقع بسبب ذلك فتنة طائرة الشر ، ثم نادت تلك الجارية بأعلى صوتها : ناشدتك الله أيها الأمير لا تعجل بالقطع حتى تقرأ هذه الرقعة ، ثم دفعت إليه رقعة ففتحها خالد وقرأها فإذا مكتوب فيها هذه الأبيات
|
- أخالد هذا مستهام متيم*****رمته لحاظي عن قسي الحمالق
-
- فأصماه سيف اللحظ مني لأنه*****حليف جوري من دائه غير فائق
-
- أقر بما لم يقترفه كأنه*****رأى ذلك خيراً من هتيكة عاشق
-
- فمهلاً عن الصب الكئيب فإنه*****كريم السجايا في الورى غير سارق
-
|
|
فلما قرأ خالد هذه الأبيات تنحى وانفرد عن الناس وأحضر المرأة ثم سألها عن القصة فأخبرته بأن هذا الفتى عاشق لها وهي عاشقة له وإنما أراد زيارتها فتوجه إلى دار أهلها ورمى حجراً في الدار ليعلمها بمجيئه فسمع أبوها وأخوها صوت الحجر فصعدوا إليه فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وأراهم أنه سارق ستراً على معشوقته ، فلما رأوه على هذه الحالة أخذوه وقالوا : هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني وقد ارتكب هذه الأمور واتهم نفسه بالسرقة لفرط مروءته وكرم نفسه . فقال خالد : إنه لخليق أن يسعف بمراده ، ثم استدعى الفتى إليه وقبله بين عينيه وأمر بإحضار أبي الجارية وقال له : يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع ولكن الله عز وجل قد حفظه من ذلك ، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده حفظاً لعرضك وعرض ابنتك وصيانتكما من العار ، وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم حيث أخبرتني بحقيقة الأمر ، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه ، فقال الشيخ : أيها الأمير قد أذنت في ذلك ، فحمد الله خالد وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة وقال للفتى : قد زوجتك هذه الجارية فلانة الحاضرة بإذنها ورضاها وإذن أبيها على هذا المال وقدره عشرة آلاف درهم . فقال الفتى : قبلت منك هذا التزويج ، ثم إن خالداً أمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفاً في الصواني وانصرف الناس وهم مسرورون ، فما رأيت يوماً أعجب من ذلك اليوم أوله بكاء وشرور وآخره فرح وسرور . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|