------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------ أول موقع متخصص في القصة العربية والمترجمة للأطفال والشباب
{الموروث الشعبي}
الموصلي والزنبيل الأخضر
{من روائع ألف ليلة وليلة}
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أن اسحق الموصلي قال : خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي فضايقني حصر البول فعمدت إلى زقاق وقمت أبول خوفاً أن يضر بي شيء إذا جلست في جانب الحيطان فرأيت شيئاً معلقاً من تلك الدور فلمسته لأعرف ما هو فوجدته زنبيلاً كبيراً بأربعة آذان ملبساً ديباجاً ، فقلت في نفسي : لا بد لهذا من سبب وصرت متحيراً في أمري فحملني الفضول على أن أجلس فيه فجلست فيه وإذا بأصحاب الدار جذبوه بي وظنوا أنني الذي كانوا يترقبونه . ثم رفعوا الزنبيل إلى رأس الحائط وإذا بأربع جوار يقلن لي انزل على الرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار فيها مجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة ، فجلست فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية الجدار وإذا بوصيفات يتمشين وفي أيديهن الشموع ومجامر البخور من العود وبينهن جارية كأنها البدر الطالع ، فنهضت وقالت : مرحباً بك من زائر، ثم أجلستني وسألتني عن خبري . فقلت لها : إني انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحصرني البول في الطريق فملت إلى هذا الزقاق فوجدت زنبيلاً ملقى فأجلسني الفضول في الزنبيل ورفع بي الزنبيل إلى هذا الدار، هذا ما كان من أمري . فقالت : لا ضير عليك وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك ثم قالت لي : فما صناعتك ؟ فقلت : أنا تاجر في سوق بغداد ، فقالت : هل تروي من الأشعار شيئاً ؟ قلت : شيئاً ضعيفاً ، قالت : فذاكرنا فيه وأنشدنا شيئاً منه . فقلت: إن للداخل دهشة ولكن تبدأين أنت . قالت : صدقت ثم أنشدت شعراً رقيقاً من كلام القدماء والمحدثين وهو من أجود أقاويلهم وأنا أسمع ولا أدري أأعجب من حسنها وجماله أم من حسن روايتها ثم قالت: هل ذهب ما كان عندك من الدهشة؟ قلت : أي والله ، قالت : إن شئت فأنشدنا شيئاً من روايتك ، فأنشدتها شعراً لجماعة من القدماء ما فيه الكفاية فاستحسنت ذلك ، ثم قالت : والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة مثيل هذا . ثم أمرت بالطعام ، فحضر فجعلت تأخذ وتضع قدامي وكان في المجلس من أصناف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند الملوك، ثم دعت بالشراب فشربت قدحاً ثم ناولتني قدحاً وقالت هذا المذاكرة والأخبار فاندفعت أذاكرها وقلت : بلغني أنه كذا وكذا وكان رجل يقول كذا، حتى حكيت لها عدة أخبار حسان فسرت بذلك ، وقالت : إني لأعجب كيف يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذه الأخبار وإنما هي أحاديث ملوك . فقلت : كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم ، وإذا تعطل حضرت بيته فربما حدث بما سمعت فقالت : لعمري لقد أحسنت الحفظ . ثم أخذنا في المذاكرة وكلما سكَتُّ ابتدأت هي حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها ، فقالت لي : إنك من ألطف الرجال وأظرفهم لأنك ذو أدب بارع وما بقي إلا شيء واحد ، فقلت لها : وما هو ؟ قالت : لو كنت تترنم بالأشعار على العود ، فقلت لها : إني كنت تعلقت بهذا قديماً ولكن لما لم أرزق حظاً فيه أعرضت عنه وفي قلبي منه حرارة وكنت أحب في هذا المجلس أن أحسن شيئاً منه لتكتمل ليلتي . قالت : كأنك عرضت بإحضار العود ، فقلت : الرأي لك وأنت صاحبة الفضل ولك المنة في ذلك . فأمرت بعود فحضرت وغنت بصوت ما سمعت بمثل حسنه مع حسن الأدب وجودة الضرب والكمال الراجح . ثم قالت : هل تعرف هذا الصوت لمن ؟ وهل تعرف الشعر لمن ؟ قلت : لا . قالت : الشعر لفلان والمغنى لإسحق . قلت: وهل اسحق جعلت فداءك بهذه الصفة ؟ قالت : بخ بخ اسحق بارع هذا الشأن ، فقلت : سبحان الله الذي أعطى هذا الرجل ما لم يعطه أحد سواه ، قالت : فكيف لو سمعت هذا الصوت منه ؟ ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان انشقاق الفجر أقبلت عليها عجوز كأنها داية لها وقالت : إن الوقت قد حضر ، فنهضت عند قولها ، وقالت : اتستر ما كان منا فإن المجالس بالأمانات . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
وفي الليلة التالية استأنفت شهرزاد الحكاية ، قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الموصلي قال : فقلت لها عند ذلك : جعلت فداءك فلست محتاجاً إلى وصية في ذلك . ثم ودعتها وأرسلت جارية تمشي بين يدي إلى باب الدار ففتحت لي وخرجت متوجهاً إلى داري فصليت الصبح ونمت فأتاني رسول المأمون فسرت إليه وأقمت نهاري عنده فلما كان وقت العشاء تفكرت ما كنت فيه البارحة وهو شيء لا يصبر عنه الجهلاء فخرجت إلى الزنبيل وجلست فيه ورفعت إلى موضعي الذي كنت فيه البارحة . فقالت لي الجارية : لقد عاودت ، فقلت : لا أظن إلا أنني قد غفلت ، ثم أخذنا في المحادثة على عادتنا في الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الحكايات منها ومني إلى الفجر ، ثم انصرفت إلى منزلي وصليت الصبح ونمت ، فأتى رسول المأمون فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده، فلما كان وقت العشاء قال لي أمير المؤمنين : أقسمت عليك أن تجلس حتى أذهب إلى غرض وأحضر، فلما ذهب الخليفة وغاب عني جالت وساوسي وتذكرت ما كنت فيه فهان علي ما يحصل لي من أمير المؤمنين فوثبت مدبراً وخرجت جارياً حتى وصلت إلى الزنبيل فجلست فيه ورفع بي إلى مجلسي فقالت : لعلك صديقنا ؟ قلت : أي والله ، قالت : أجعلتنا دار إقامة ؟ قلت : جعلت فداءك حتى الضيافة ثلاثة أيام فإن رجعت بعد ذلك فأنتم في حل من دمي
ثم جلسنا على تلك الحالة فلما قرب الوقت علمت أن المأمون لا بد أن يسألني فلا يقنع إلا بشرح القصة ، فقلت لها : أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجهاً وأشرف قدراً وأكثر أدباً وأعرق خلقاً يكنى بإسحق . قالت : أطفيلي وتقترح ؟ قلت لها : أنت المحكمة في الأمر، فقالت : إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكرر معرفته ، ثم جاء الوقت فنهضت وقمت متوجهاً إلى داري فلم أصل إلى داري إلا ورسل المأمون هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً . وذهبوا بي إليه فوجدته قاعداً على كرسي وهو مغتاظ مني . فقال : يا اسحق اخروج عن الطاعة ؟ فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، فقال : فما قصتك أصدقني الخبر ؟ فقلت : نعم ولكن في خلوة . فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا فحدثته الحديث وقلت له : إني وعدتها بحضورك قال : أحسنت ، ثم أخذنا في لذتنا ذلك اليوم والمأمون متعلق القلب بها فما صدقنا بمجيء الوقت وسرنا وأنا أوصيه وأقول له : تجنب أن تناديني باسمي قدامها بل أنا لك تُبَّعٌ في حضرتها واتفقنا على ذلك . ثم سرنا إلى أن أتينا مكان الزنبيل فوجدنا زنبيلين فقعدنا فيهما ورفعنا إلى الموضع المعهود . فأقبلت وسلمت علينا . فلما رآها المأمون تحير من حسنها وجمالها وأخذت تذاكره الأخبار وتناشده الأشعار ، وهي مقبلة عليه مسرورة به وهو أيضاً مقبل عليها مسرور بها ، ثم أخذت العود وغنت طريقة وبعد ذلك قالت لي : وهل ابن عمك من التجار وأشارت إلى المأمون ؟ قلت : نعم . قالت لي : إنكما لقريبا الشبه من بعضكما . قلت : نعم ، فلما سمع المأمون كلامها داخله الفرح والطرب فصاح وقال: يا اسحق ؟ قلت : لبيك يا أمير المؤمنين . قال: غن بهذه الطريقة ، فلما علمت أنه الخليفة مضت إلى مكان ودخلت فيه
ولما فرغ اسحق من الغناء قال له المأمون : انظر من رب هذه الدار ، فبادرت عجوز بالجواب وقالت : هي للحسن بن سهيل فقال : علي به فغابت العجوز ساعة وإذا بالحسن قد حضر . فقال له المأمون : ألك بنت ؟ قال : نعم . قال : ما اسمها ؟ قال : اسمها خديجة . قال : هل هي متزوجة ؟ قال : لا والله . قال : فإني أخطبها منك . قال : هي جاريتك وأمرها إليك يا أمير المؤمنين ، قال الخليفة : قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار تحمل إليك صبيحة يومنا هذا فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتها . قال : سمعاً وطاعة ، ثم خرجنا فقال : يا اسحق لا تقص هذا الحديث على أحد فسترته ، إلى أن مات المأمون . فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في هذه الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار ومجالسة خديجة بالليل ، والله ما رأيت أحداً من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة من النساء مثل خديجة بل ولا تقارب خديجة فهماً ولا عقلاً ولا لفظاً والله أعلم . وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة