علي بابا والأربعون حرامي
|
|
{من روائع ألف ليلة وليلة}
|
قالت شهرزاد : بلغني أيها الملك السعيد أنّه كان في بلاد فارس أخوان شقيقان ، يُدعى الأكبر قاسماً والثّاني علي بابا . كان والدهما تاجراً من أغنياء التُّجار . ترك بعد موته ثروةً طائلةً مؤلّفةً من قصورٍ فخمةٍ ومالٍ وفيرٍ وأراضٍ واسعةٍ وبضائع ثمينةٍ . استولى قاسم على هذه الثّروة الكبيرة ، وأصبح تاجراً غنياً ، وترك أخاه علي بابا في فُقرٍ شديدٍ ، بل كثيراً ما كان يعامله معاملةً قاسيةً ، لا رحمةً فيها ولا شفقةً وزاد في فقر علي بابا أنّه كان يعول أسرةً كبيرةً مؤلّفةً من زوجةٍ وستة أولادٍ ، وكان حطّاباً ماهراً ، يذهب كلّ صباحٍ إلى الغابة ، فيقطع الأخشاب ثمّ يحملها على حماره ويعود إلى المدينة فيبيع الحطب ويشتري بثمنه طعاماً لأولاده . وكعادته كلّ صباحٍ ، انطلق علي بابا يوماً ومعه حماره الهزيل ليحتطب في الغابة . فإذا به يسمع ضجّةً شديدةً آتيةً من بعيدٍ . ثمّ أخذت الأصوات تقترب وتعلو ، فخاف وارتبك فتسلّق شجرةً كثيفةً واختبأ بين أغصانها وأوراقها بعد أن خبّأ الحمار في حفرةٍ مجاورةٍ . والتفت علي بابا إلى مصدر الأصوات ، فشاهد غباراً يتصاعد إلى عنان السّماء ، ثم انجلى هذا الغبار عن أربعين فارساً يتقدّمهم قائدهم . كان الفرسان يلبسون الثّياب الزّاهية الملوّنة ويمتطون خيولاً قويةً أصيلةً ، وفي أيديهم رماحٌ لامعةٌ في أشعة الشّمس ، وعلى خصورهم سيوفهم في أغمادها . وكان يبدو على هذه الجماعة مظاهر البَأسِ والقوّة . وعندما وصل الفرسان إلى صخرةٍ كبيرةٍ في وسط الغابة ، قُربَ شجرةٍ من أشجار جوز الهند ، ترجّلوا عن خيولهم وتقدّم قائدهم وصاح بأعلى صوته مُخاطباً الصّخرة : "افتح يـا سمسم" . ويا لهول المفاجأة ! لقد زلزلت الأرض وانشقت الصّخرة وثار غبارٌ في الجوّ . وعندما انجلى الغبار ، ظهر مكان الصّخرة كهفٌ كبيرٌ ، له باب واسع ، دخل إليه القائد وتبعه الفُرسان بعد أن ربطوا خيولهم بجذوع الأشجار المجاورة . وما لبث الباب أن انغلق وراءهم . مكث الفرسان في الكهف بعض الوقت ثم خرجوا وركبوا خيولهم ومضوا من حيث أتوا ، حتّى غابوا عن الأنظار ، بعد أن سمع علي بابا قائدهم ينادي بأعلى صوته : "أغلق يـا سمسم" . نزل علي بابا من أعلى الشّجرة والدّهشة تكاد تعقد لسانه . وقف أمام الصّخرة يتأمّلها . قال في نفسه : هل من الممكن أن تتحرّك هذه الصّخرة الهائلة فور النّطق بهذه الجملة ؟ ومن فوره نادى علي بابا بأعلى صوته : "افتح يا سمسم" ، فإذا بالصّخرة تنشقّ مرّةً ثانيةً عن كهفٍ كبيرٍ مُعتّم ، فالتقط غُصناً يابساً وأشعله ليُنيرَ به طريقه داخل الكهف . دخل الكهف والخوف يتملّكه ، فأخذ يتنقل من قاعةٍ إلى أخرى داخل الكهف حتّى وصل إلى قاعةٍ فسيحةٍ ، وَجَد فيها كميّات لا تُحصى من الذّهب والفضّة والأحجار الكريمة والثياب المُزركشة . فَرَكَ علي بابا عينيه ليتأكد أنه ليس في حلم جميل ، ولكنّه تأكد أنه لا يحلم ، بل هو في الحقيقة داخل كهف هؤلاء الفرسان الذين هُم لصوص أشدّاء يُخبّئون ما يسرقون داخل هذا الكهف السّحري الكبير
|
|
لم يُضيّع علي بابا الفرصة ، بل أخذ يحشو جيوبه بما تصل إليه يداه من الذّهب والجواهر ، ثم خرج ونادى بأعلى صوته : "أغلق يا سمسم" . وأفرغ علي بابا جيوبه من المجوهرات التّي استطاع الحصول عليها من مخبأ اللّصوص ، ووضعها فوق ظهر حماره ثم غطّاها ببعض الحطب ، وعاد إلى منزله ليُخبّئ كنزه في مكانٍ أمينٍ . وعندما رأت زوجته كلّ هذه المجوهرات ، عَقَدت الدّهشة لسانها واضطربت ، وقالت له بصوتٍ غاضبٍ : من أين أتيت بهذه الجواهر الثّمينة ، كيف سرقتها ؟ فأجابها علي بابا ، وهو يُهدّئ من غضبها : أنا لم أسرق هذه الكنوز وإنّما عثرتُ عليها في كهف جماعة اللّصوص . ثم قصّ عليها قصّة الأربعين لصاً الذّين يُودِعُون ما يسرقونه في كهفٍ اتّخذوه في باطن الجبل في وسط الغابة . هدأت زوجة على بابا وانفرجت أساريرها وأرادت أن تعرف ما قيمة الثّروة التّي أصبحوا يملكونها الآن ، ولكنّها لم تستطع أن تعدّ النّقود لكثرتها ، ولهذا طلبت إلى زوجها أن يذهب إلى بيت أخيه قاسم ويستعير منه المِكيال لتزن به المجوهرات . وذهب علي بابا إلى منزل أخيه قاسم وطلب إلى زوجة أخيه أن تعيره المكيال . فاستغربت زوجة قاسم هذا الطلب لأنّها تعرف أنّ شقيق زوجها فقيرٌ لا يملك شيئاً يزنه بالمكيال . ودبّت الغيرة في قلب زوجة قاسم وقالت في نفسها : ماذا عساه يكيّل هذا الرّجل الفقير ؟ لا بُدّ لي من معرفة ذلك . ثم مضت ووضعت في قعر المكيال شيئاً من العسل وأعطته إلى علي بابا ، طالبةً إليه ألاّ يتأخّر بإعادته فور الإنتهاء منه . ووَزَنََت زوجة علي بابا الأحجار الكريمة والنّقود الذّهبية . ولشدّة سرورها لم تنتبه إلى العسل في قعر المكيال ، ولم تنتبه إلى الأحجار الكريمة التي علِقَت في قعره أيضاً . ثمّ وجدت زوجة قاسمٍ في قعر المكيال القطع الكريمة العالقة ، فدبّت الغيرة في قلبها
|
|
ولمّا جاء زوجها في المساء ، أخبرته أنّ أخاه الفقير ، علي بابا ، أصبح يُكيّل الذّهب بمكيال الحُبوب ، ثم أرته القطعة الثّمينة التي علقت في المكيال . في الصّباح ، قصد قاسم منزل أخيه على بابا وأخذ يتودّد إليه على غير عادته ، ويسأله عن الطّريقة التي حصل بها على الذّهب بعد أن كان حطّاباً بائساً فقيراً . لم يجد علي بابا أمام إلحاح أخيه قاسم بُداً من أن يخبره بكهف اللّصوص وكلمة السّر "افتح يا سمسم" . وفي صباح اليوم التّالي ، ذهب قاسم قاصداً كهف اللّصوص ومعه عشرة بغالٍ مُحمّلة بصناديق فارغةٍ لكي يملأها بشتى الجواهر والأحجار الغالية . وقف قاسم أمام الصّخرة ونادى بأعلى صوته : "افتح يا سمسم" فإذا بالصّخرة تنشقّ عن كهفٍ عظيمٍ . دخل قاسم ودوابه إلى قاعة المجوهرات ، فبَهَر عينيه بريق الجواهر ، وأحسّ بالذّهول ولم يشعر بباب الصّخرة وهو يغلق وراءه ، بل اندفع إلى الدّاخل يجمع كلّ ما تستطيع يداه أن تصل إليه ويضعه في الصّناديق التّي أعدّها لهذه الغاية . لمّا امتلأت الصّناديق بالكنوز النّادرة ، ساق دوابه نحو الصّخرة ليخرج ، لكنّه وقف أمامها حائراً . فقد أنساه جشعه كلمة السّر "افتح يا سمسم" . فأخذ يُنادي : افتح يا شعير ، افتح يا حمّص ، افتح يا قمح ، ولكن من دون جدوى . فقد ظلّت الصّخرة مغلقةً . فدبّ الخوف في قلبه وأقلقه الهَمّ والجزع ، وأخذت نفسه تحدّثه بسوء العاقبة بعدما أوصله الطّمع إلى هذا المصير المُؤلم . ومضى عليه وقت ليس بالقصير ، وإذا به يسمع وقع حوافر خيول اللّصوص وقد عادوا إلى كهفهم ، وصوت قائدهم يُدوي في الخارج : "افتح يا سمسم" . فتذكّر عندئذٍ كلمة السّر ، ولكن بعد فوات الأوان . وارتعدت فرائصه فانزوى في أحد أركان الكهف . ولكن كيف يستطيع النّجاة ، وبغاله المحمّلة بالنفائس الغالية ماتزال في مكانها داخل الكهف ؟
|
|
ما كاد اللّصوص يرون قاسماً وبغاله داخل كهفهم حتّى ثار فيهم الغضب . فقبضوا عليه وأعملوا فيه سيوفهم ولم يتركوه إلاّ جثةً هامدةً مقطوعة الذّراعين . عندئذ أمرهم قائدهم بوضع الجثّة على باب الكهف ليكون عبرةً لغيره مِمَّن تُحدّثه نفسه باقتحام مخبئهم . وطالت غيبة قاسم عن المنزل ، فقلقت زوجته وخافت أن يكون قد مسّه سوء أودى بحياته . فذهبت إلى منزل أخيه علي بابا تشكو له مخاوفها ، فطمأنها علي بابا وقال لها : سأذهب في الصّباح الباكر إلى الغابة لإستجلاء الأمر . واستيقظ علي بابا باكراً وذهب إلى كهف اللّصوص ، ويا لهول المفاجأة ، لقد رأى أخاه جثّةً هامدةً عند باب الكهف . رفع علي بابا جثّة أخيه ووضعها على ظهر حماره بعد أن غطّاها بالحطب وعاد إلى المنزل حزيناً . وما كادت زوجة قاسم ترى جثّة زوجها حتّى أصابها الذّهول وصارت تبكي بحرقةٍ وألمٍ . فأخذ علي بابا وزوجته يُخفّفان عنها ويحثّانها على الصّبر والتسليم بقضاء الله وقدره . ثم راحوا يفكّرون في طريقةٍ لدفن الجثة المُقطّعة من دون أن يثيروا فضول النّاس ، ويصل الخبر إلى اللّصوص . كان لدى قاسم جارية ماهرة ذكيّة الفؤاد تُدعى مرجانة . وقد أدركت حيرة أهل البيت وقلقهم ، فأخبرتهم بأنّها تستطيع أن تصل الذّراعين بالجثة وتخيطهما من دون أن تثير الشكّ في نفوس النّاس . وذهبت مرجانة باكراً إلى سوق الخيّاطين ، فشاهدت خيّاطاً يُدعى مصطفى يرتقُ ثوباً على باب دكّانه ، فحيّته وسألته بلطفٍ : كم تربح في اليوم من عملك هذا ؟ فأجابها الخيّاط : إنّي أربح دينارين . فاقتربت منه وقالت له : إنّي مستعدّة أن أعطيك عشرة دنانيرٍ إذا ذهبت إلى البيت لتخيط لي شيئاً عزيزاً عليّ . فَرِحَ الخيّاط بهذا الرّبح الوفير ، ثم قام وأغلق باب دكّانه وسار وراء الجارية مرجانة التي لم تكد تبتعد قليلاً حتّى أخرجت منديلاً وعصبت عينيه لئلا يهتدي إلى مكان البيت
|
|
خاط مصطفى الخيّاط جثة قاسم ثم عاد إلى دكانه فرحاً بما كسبه من مالٍ ، في حين كان علي بابا وزوجة أخيه يقومون بدفن الجُثة . وعاد اللّصوص إلى المغارة مساءً ، وكم كانت دهشتهم كبيرة حين لم يجدوا أثراً لجثّة قاسم ، فغضبوا وثاروا وعلموا أنّ له شريكاً يعرف مخبأهم السّريّ هذا . وبينما كانت مرجانة عائدةً من السّوق ، رأت علامةً بالطّباشير على باب المنزل ، فأدركت أنّ اللّصوص اهتدوا إلى المنزل . فأسرعت وأحضرت قطعةً من الطّباشير ووضعت على أبواب جميع المنازل المجاورة علامةً مماثلةً . وجاء اللّصوص لتنفيذ خطّتهم وقتل علي بابا ، ولكنّهم أخفقوا . فقد وجدوا منازل الحيّ جميعها تحمل تلك الإشارة المميّزة ، فعادوا يجرّون أذيال الخيبة ، وأخبروا رئيسهم بذلك ، فغضب غضباً شديداً ، ثمّ أخرج سيفه وضرب به عنق لصٍّ منهم فأرداه قتيلاً . ثم ذهب بنفسه مُتنكّراً وأعاد الكَرّة مع الخيّاط مصطفى حتى اهتدى إلى منزل قاسم . أعدّ رئيس اللّصوص خطّته للتّخلص من علي بابا ، فأحضر أربعين خابيةٍ كبيرةٍ وأمر كلّ لصٍ أن يختبئ في خابيةٍ وخنجره بين أسنانه ، وقال لهم : عندما أقوم بإشارةٍ مُعيّنةٍ تخرجون من مخابئكم وتهجمون على الرجّل ومَن يكون عنده ، وتفتكون بهم من غير شفقةٍ أو رحمةٍ . وملأ خابية اللّص المقتول زيتاً ، ثم سدّ الخوابي كلّها سداً مُحكماً ، وحمّلها على عربةٍ كبيرةٍ يجرّها جوادٌ ، وسار معها بعد أن تنكّر بزيّ التُّجار الغُرباء حتّى وصل إلى منزل علي بابا ، وقت الغروب . قَرَعَ قائد اللّصوص باب منزل علي بابا ورجاه أن ينزل في ضيافته بعد أن دهمه الظّلام ، لاسيّما وأنّه تاجرٌ غريبٌ لم يسبق له أن زار هذه المدينة من قبل . فرحّب به علي بابا ودعاه إلى النّزول في ضيافته ، ثم نقلوا الخوابي بمساعدة الخدم إلى فناء الدّار بعد أن رُصَّت إلى جانب بعضها باعتناءٍ وترتيبٍ . وانصرفت مرجانة إلى المطبخ لإعداد الطّعام ، فوجدت أن المصابيح في حاجةٍ لأن تُملأ بالزّيت . ولمّا لم تجد في البيت زيتاً ، ذهبت إلى الفناء لأخذ بعض الزّيت من إحدى الخوابي . وكم كانت دهشتها عظيمةً حينما فتحت إحدى الخوابي فوجدت في داخلها رجلاً تظهر عليه إمارات الشّراسة ، وقد حمل خنجراً بين أسنانه . فأسرعت وغطّت فوهة الخابية لكيّ لا يتمكّن الرّجل من الخروج . ثم راحت تدقّ على كلّ خابيةٍ دقًاً خفيفاً فتسمعُ همساً رقيقاً ، حتّى وصلت إلى الخابية الأخيرة ففتحتها فوجدت فيها زيتاً . وأوقدت مرجانة النار على الزيت ، وعندما أدركت أن الزّيت قد اشتدّ غليانه ، استأذنت ودخلت إلى المطبخ ثم أحضرت وعاءً ملأته زيتاً مغلياً
|
|
وذهبت إلى الفناء ، ففتحت الخوابي وصبّت فيها الزّيت المغلي . وكانت كلّما صبّت في خابيةٍ زيتاً سمعت الرّجل يصرخُ من الألم ، ثم يخبو صوته ويختفي حتّى قضت على جميع اللّصوص حرقاً بالزّيت . وعادت مرجانة إلى قاعة الإستقبال ، وراحت ترقص وقد أمسكت بيديها الإثنتين خنجراً حاداً وراحت تتمايل كأنّها تُحيّي الضّيوف . وفجأةً ، انقضَّت على رئيس اللّصوص وطعنته طعنةً قاتلةً ، فارتمى على الأرض لا حراك به . دُهش علي بابا ، وصَرَخ في مرجانة : لماذا قتلتِ ضيفي يا جارية السّوء ؟ فأجابت مرجانة : أنا لم أقتل ضيفك ، وإنّما قتلت زعيم اللّصوص . ثمّ قصّت على الحاضرين ما فعلَت وأخبرتهم أنّها قتلت أيضاً رجاله التّسعة والثلاثين ، وهم مُختبئون في خوابي الزّيت . إبتهج الحاضرون بذكاء مرجانة وحُسن تصرّفها ، وكان الإبتهاج أعظم وأكبر عندما زوّج علي بابا الجارية الذّكية الشّجاعة من ابنه الكبير ، عرفاناً منه بفضلها وحُسنِ تصرّفها . هنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
|
|
ملحوظة : الصور المرفقة بالقصة للتوضيح فقط ولا تمثل شخصية القصة
|
|
|
|
|