| لص ٌ سرق البيت .. وما أعاد النافذة |
|
* نزار عثمان
كلامٌ كثير يدبّج وأكثر من وساطة بين الدم والسيف .. أكثر من تابوت مهيأ لزهور النار . كل ذلك يحدث والشاعر يمسك رأسه بيديه ويواصل حلمه كأنه يحصِّن روحه من الغبار ودمه من رماد الأيام
بأصابع هادئة يمسك القاتل . وبعين من زجاج بارد يدقق النظر من خلال المنظار بالصبي الذي يحمل الحجر ويحدد الهدف : هل تكون الرصاصة في إحدى القدمين ؟ لا في الكتف ؟ لا في القلب ؟ نعم في القلب . لتكن الرصاصة في القلب .. هكذا يطلق القاتل الرصاصة ويتناثر دم الطفل أمامه كالفراش المذعور لم يحدث شيء على الإطلاق .. مجرد تسلية ! فبدل أن يذهب الجندي الصهيوني إلى الغابة .. إلى إصطياد الوحوش .. حدث أ، ذهب إلى رام الله أو بيت لحم واصطاد الأطفال . في الوقت نفسه يتم وصف هذا الاصطياد " المهذب " بأنه مجرد دفاع عن النفس في أعمال عنف اندلعت بين الطرفين وأحياناً تجري مطالبة الطفل بتحمل مسؤولية موته : فلولا جسده الضئيل الذي ظهر فجأة أمام الدبابة ولولا حجره " النووي " .. لما ارتكب القاتل هذه الصفوة الصغيرة .. ومادام الأمر كذلك فلماذا لا يتم الحديث عن أمن القاتل وعن مساحة صغيرة من الأ{ض تكون كافية لجثة طفل في هذه الأثناء يقهقه الشاعر بأعلى صوته ويكبت كلماته التي هي للرياح .. فتجفل بنات آوى في أقصى الغابة ويسقط طلاء السماء ومن حق الشاعر أن يقهقه من هذه المزحة العربية الثقيلة التي أعياها طول " التندُّر " على منظر الجثة الصغيرة .. والجندي على رأسها .. ومن حق الشاعر أن يرقص كمجنون في الساحات العامة .. من حقه أن يمدّ عنقه باتجاه الناس الحائرين على أرصفة الشوارع ويقول لهم : لِمَ كل هذا الهدوء من حقه أن يسأل الأشجار الهرمة في الحقول : كم عمر الخديعة ؟ وإنْ لم يكن له الحق في ذلك فكيف نفسِّر إذن كل تلك الحقوق التي يتمتع بها القاتل .. وحدوث كل الذي يحدث أمام بصر العالم ؟ ثم كيف نفسِّر بعد ذلك أن تطالب الضحية بضبط النفس .. والاعتراف بشرعية القتل وكما يحلِّق النسر في قلب العاصفة .. ويتفرس الأرض حجراً حجراً .. وشجرة شجرة .. يكسر الشاعر أقفال الحواس ويرى ما هو أبعد من قناع أو حائط .. ويستمتع بوضوح شديد إلى نبض الحياة ودمها الهادر في الشوارع الضيقة والأقبية .. ومثل سمكة مغامرة يواصل الشاعر سباحته ضد التيار فهو مثلاً لا يؤمن بايقاف العنف ولا بالعودة إلى طاولة المفاوضات المقيتة أو لنقل إنه لا يؤمن بكل الأرض دون مسجده المحاصر في " سقيفته " المدمرة قبل خمسة عقود من الزمان . إنه يريد الأرض كاملة ويطالب بحرية الوعل في الركض في بريَّة مفتوحة دون حدود . إنه يريد أن يتسلق نخل أريحا .. مثلما يريد أن يندَس كسمكة صغيرة في موج يافا . وهو يريد أن يختار قمة عالية على رأس جبل ويتأمل الغيمة منذ أن تنسج صوفها يد الريح في منزل المتوسط .. وتسوقها كنعجة نظيفة في طريق السماء .. إلى أن يصادفها أحد القرويين في جبال القدس فيذبحها ويرش دمها على الحقول .. وفوق ذلك .. إنه يريد أن يتمشى في شوارع الوطن بكامل بذخه الشاعري ولأن فلسطين كلها هذا الساحل الضيق لن تتسع لخطواته الواسعة .. فسوف ينزل قدماً على اليابسة وقدماً في الماء ويسير . قد يسأل أحدهم : يا الله .. ولكن لماذا كل ذلك البذخ ؟ هنا سوف يجيبه الشاعر : إن كل سنوات القتل والمجازر جعلتني مفتوناً بالتجوال الهادئ وأنا أريد أن آخذ حريتي في المشي مرة قال لي أحد زملاء دراستي الجامعية من الفلسطينيين : لنفترض أن أحدهم سرق قميصك فهل تقبل أن يرد السارق إليك القميص دون ياقة أو كمٍ مثلاً ؟ قلت : لا . قال : ما بالك إذاً بالأرض والتي هي لا تشبه في شئ هذا القميص التافه وقال لي إن أمه التي تعيش في عمان بعد تهجير العائلة ما تزال تترحم على أيام زمان وتحاول أن تبدو واقعية في أكثر من مناسبة ولكن سرعان ما تغيم عيناها وتقول لي مربتة على كتفي : إن العيش هناك في قنّ دجاج معتم أحسن عندي من العيش في بيت ليس بيتي .. ولو كان مضاءً بالكهرباء هذا الكلام يمثِّل بكل دقة أبجدية الصراع العربي الصهيوني وأنه يهدم كل مابناه المحتل وخطط له .. وهو يكشط كل ما علق بمرآة الصراع من غبار إن الطفل الذي يهبط من رحم أمه إلى المظاهرة من أجل أن يقذف الحجر ويستشهد يدرك تماماً ما يريد هكذا تطرح غضبة الفلسطينيين على حقهم وانتفاضتهم لاسترداده فكرة العودة بالصراع إلى البديهيات الأولى . لقد حرقت الانتفاضة كل ذلك الورق الذي دبَّجته مؤتمرات السلام .. وأكمل صمود عرفات ورفاقه في النضال المحاصرين في كل فلسطين .. أكملوا خواتيم النشيد وأعادوه للسياق .. لم يعد هناك من رجال أنيقين يهبطون في المطارات بحقائب دبلوماسية وربطات عنق منشّاة من أجل أن يطالبوا اللص الذي استولى على البيت بإعادة النافذة لقد ترجّل الدم الفلسطيني ليحسم المسألة وتقدَّم أولئك الفتية الذين لم يعرفوا طعم الحياة بعد ليطوّحوا بأجسادهم في الانفجار العظيم الذي سيلتهم كل شئ .. فيما نقف نحن العرب على أطراف حواسِّنا .. على أطراف عجزنا .. لمعرفة النتيجة
صحفي وكاتب سوداني *
|