تعد الأرض في المشروع الصهيوني أحد أركانه الأساسية في فلسطين، إذ أن مشروع استيطاني أساسه استقدام اليهود من بلدانهم الأصلية أو (الدياسبورا) – بلاد الشتات – حسب التعبير الصهيوني وإحلالهم محل العرب الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية، وقد كان الشرط الأساسي للاستيطان في فلسطين اغتصاب الأرض والاستيلاء عليها بأي صورة من الصور، لذلك لم تتوان الصهيونية وأجهزتها عن اتباع الأساليب الإرهابية في سبيل تحقيق السيطرة على الأرض باعتبارها "أرض الميعاد"

ولأن الاستيطان الصهيوني في فلسطين استيطان إجلائي – إحلالي، يقوم على إجلاء العرب الفلسطينيين وإحلال اليهود بدلاً منهم، فقد قام على أساس الاستيلاء على الأرض وتفريغ سكانها منها بطرق شتى كان للعنف وارتكاب المجازر الجماعية موقع رئيسي فيها، وهو ما يميزه عن غيره من التجارب الاستيطانية في التاريخ القديم والحديث، وقد كانت السياسة الاستيطانية الصهيونية واضحة في أذهان المخططين الصهاينة من البداية واعتمدت على إقامة منطقة يهودية في فلسطين، ليس فقط عن طريق المناورات السياسية، وإنما أيضاً على أرض الواقع من خلال المستعمرات، والوجود الصهيوني المسلح في هذه المستعمرات، تمهيداً لإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين

في ذات الوقت لا يمكن فصل عمليات الاقتلاع والتهجير الجماعية للشعب الفلسطيني عن المخططات الاستيطانية الصهيونية، إذ تشكلان في السياق العام وجهان لعملة واحدة، فلا تتم الثانية إلا بتحقيق الأولى ومن هنا كان وجود السكان الفلسطينيين مشكلة سياسية فرضت نفسها على المشروع الصهيوني في فلسطين، فاعتبرتها الحركة الصهيونية معضلة أطلقت عليها تعبير (المسألة العربية) في فلسطين. وكان أول من طرح فكرة الطرد أو التهجير في تاريخ الصهيونية الحديث الزعيم الصهيوني "زنغفيل" الذي قال في العام 1905 إنه ما من حل للمشكلة اليهودية إلا بطرد الفلسطينيين بالسيف أو ضمان هجرتهم وقد كان لهذه الأفكار رواجاً بين الزعامة الصهيونية

وقد انعكس ذلك أيضاً في الدعاية الصهيونية الشهيرة التي أطلقها المشاركون في مؤتمر بازل في العام 1897 عن فلسطين بوصفها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، وقد كتب يوسف فايتس الذي عمل مدة طويلة مديراً للصندوق القومي اليهودي كما عمل مستشاراً لرئيس الحكومة الصهيونية للشؤون العربية، في مذكراته الخاصة عام 1940 بيننا وبين أنفسنا يجب أن يكون واضحاً أنه لا يوجد مكان في البلاد لشعبين معنا، فمع وجود العرب لن نتمكن من تحقيق هدفنا المتمثل بأن نكون شعباً مستقبلاً في هذه البلاد، إن الحل الوحيد هو أن تصبح أرض إسرائيل، وعلى الأقل أرض إسرائيل الغربية، بدون عرب، ولا توجد طريقة أخرى لتحقيق ذلك غير نقل العرب من هنا إلى الدول المجاورة، نقلهم جميعاً بحيث لا تبقى هنا قرية واحدة، ومع هذا النقل فقط يمكن للبلاد أن تستوعب الملايين من إخواننا وقد نظر القادة الصهاينة إلى تلك الأفكار والمؤامرات بأنها لا تمثل أي اعتداء على حقوق المواطنين الفلسطينيين وأنها لا تتسم بأي صفات إرهابية، وقد ذكر "سمحا فلابان" ذلك بقوله كانت خطط الطرد الجماعي – Transfer – تظهر دوماً خلال المناقشات الصهيونية للمعارضة العربية في فلسطين وقد رفض وايزمن وغيره أن يسلموا بأن فكرة الطرد الجماعي عمل لا أخلاقي

ومع انتهاء عقد الثلاثينيات كان هناك إجماع صهيوني ينادي بالطرد الفلسطيني حيث تشكلت لجنة ضمت عدداً من قادة الحركة الصهيونية، هدفها وضع دراسة ورسم خطط لطرد الفلسطينيين في كل زمان ومكان، وكان من بين اختصاصات تلك اللجنة أيضاً جلب اليهود وتوظيفهم في فلسطين، وقد أطلق عليها اسم (لجنة الترانسفير)

وفي مبحثنا هذا فإننا سندمج عمليتي الاستيطان والاقتلاع والتهجير ضد الفلسطينيين، لتبسيط المقارنة وإيضاح مدى فداحة ما مارسته الصهيونية وأجهزتها المختلفة، بحق الشعب الفلسطيني

بداية الاستيطان وفترة الانتداب

بدأ التسلل الصهيوني إلى فلسطين والاستيطان أواخر القرن الثامن عشر، وقد اقتصرت عمليات الاستيطان اليهودية حتى نهاية القرن التاسع عشر وتحديداً حتى العام 1898 على إنشاء 22 مستوطنة، وبعد قيام الصهيونية المنظمة في مطلع القرن العشرين، توسعت عمليات الاستيطان لتشمل مناطق جديدة من فلسطين، وقد بدأ النشاط الفعلي للاستيطان عام 1901 بعد تأسيس "الصندوق القومي اليهودي"، فوصل عدد المستوطنات إلى 47 مستوطنة مع بداية الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وحتى عام 1918 كان اليهود يملكون حوالي 2,5% من أراضي فلسطين فقط

غير أن فترة الانتداب البريطاني قد شهدت طفرة في عدد المستوطنات الصهيونية، إذ تعاونت الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني على طرد الفلسطينيين وسلب أراضيهم وتقديمها للصهاينة، لزرع المستوطنين فيها، ويظهر مدى التعاون بين الحركة الصهيونية وقوات الاستعمار البريطانية من خلال قراءة ما كتبته الكاتبة البريطانية فرنسيس نيوتن، حيث كتبت بأنها شاهدت بأم عينها كيف تدخلت القوات البريطانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني أثناء صدامات وقعت بين المستوطنين اليهود وبين الفلاحين الفلسطينيين في بلدة العفولة، عندما حاول المستوطنون منع الفلاحين الفلسطينيين من فلاحة أرضهم، وقد أرغمت قوات الانتداب الفلسطينيين على إخلاء أراضيهم بالقوة، ومنعهم من فلاحتها .

وتعلق نيوتن على ذلك فتقول إن القانون كان يجيّر من قبل حكومة الانتداب لصالح الاستيطان الصهيوني التفريغي، ولم تكن حكومة الاستعمار تقف عند هذا الحد، بل لجأت إلى الترحيل والاعتقال تحت حراب قوات الاحتلال البريطاني، وهذا يتم بناء على رغبة الحركة الصهيونية

وفي نهاية فترة الانتداب البريطاني كان عدد المستعمرات الصهيونية في فلسطين قد ارتفع ليصل إلى 304 مستعمرة خلال فترة الحكم البريطاني

سنوات الماضي الصعبة

اعترف الإرهابي موشيه دايان في رثاء صديق له اسمه روي روتنبرج قتل في صدام مع العرب قبل بضعة أشهر من حرب 1956 قائلاً لنتوقف اليوم عن قذف الذين قتلوه بالاتهامات، من نحن لنناقش حقدهم؟ ها قد انقضت ثمانية أعوام (منذ عام 1948) وحتى الآن وهم يجلسون في مخيماتهم في غزة وتحت أعينهم وأبصارهم نحول لممتلكاتنا الأراضي والقرى التي عاش عليها آباؤهم وأجدادهم، نحل جيل من المستوطنين ودون الخوذة الفولاذية والمدفع لا نستطيع أن نزرع شجرة أو أن نبني بيتاً

هذا التصريح يظهر الطريقة التي استولى بها الصهاينة على معظم الأراضي الفلسطينية، ومدى اعتمادهم على السلاح في سبيل طرد وتهجير السكان الفلسطينيين والاستيلاء على ممتلكاتهم، وقد أكد ذلك بن غوريون حين قال علينا أن نتخذ من العمليات العسكرية أساساً للاستيطان وواقعاً يجبر الجميع على الرضوخ له والانحناء أمامه

وقد حاول مخاتير بعض القرى العربية في فلسطين المحافظة على ممتلكات قراهم وأمن سكانها من هجمات عصابات الإرهاب الصهيوني، من خلال توقيع اتفاقيات هدنة محلية بين قراهم واليهود غير أن تلك الاتفاقيات لم تمنع القوات الصهيونية من الاعتداء على هذه القرى والتي كان من أبرزها قرية دير ياسين التي تعرضت لمذبحة شهيرة راح ضحيتها العديد من النساء والأطفال والشيوخ، وثبت أن الاتفاقيات الموقعة بعدم الاعتداء بين الفلسطينيين والصهاينة لا قيمة لها لدى الصهاينة، وقد أدت تلك المذبحة الرهيبة إلى إحداث حالة من الفزع لدى الشعب الفلسطيني مما ساهم في نزوحه عن بيوتهم وقراهم خوفاً من بطش عصابات الإرهاب الصهيوني، وقد علّق على ذلك الإرهابي مناحيم بيغن قائلا كان لهذه العملية – مذبحة دير ياسين – نتائج كبيرة غير متوقعة، فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين يهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين

لم تكن دير ياسين تصرف أهوج قام به إرهابية منفردين، وإنما كانت حلقة في سلسلة من الخطط أطلق عليها اسم (سي – 2) وشملت تنفيذ عمليات إرهابية في كل أنحاء فلسطين ضد الفلسطينيين العرب وشن غارات متكررة، لتحقيق المرحلة الأولى من مخطط طرد الشعب الفلسطيني. أما المرحلة الثانية فقد وضعت لها الخطة (دالت) والتي قامت على أساس الدخول في معارك مع الجيوش العربية، وطرد العرب من قراهم ومدنهم إلى خط التقسيم الذي شكل حدود الدولة اليهودية أما هدفها الثاني فكان السيطرة على الجزء الثاني من فلسطين الذي نص عليه قرار التقسيم، وطرد البقية الباقية من أبناء الشعب الفلسطيني

وقد وصف بيغال آلون القائد العسكري لمنظمة البالماخ الإرهابية الوسائل التي تبناها الصهاينة لتحقيق أهدافهم من خلال هذه العمليات بقوله لم يبقى أمامنا سوى خمسة أيام فقط قبل ذلك اليوم الذي ينذر بالتهديد، وهو يوم الخامس عشر من مايو (موعد انسحاب القوات البريطانية) لقد رأينا أن هناك حاجة لتطهير الجليل الأعلى. لقد أضعفت المعارك الطويلة قواتنا، وأمامنا تكمن واجبات كبيرة هي قفل الطريق أمام الغزو العربي، لهذا فقد بحثنا عن وسائل نتمكن بواسطتها من عدم استخدام قواتنا في المؤخرة، وبالتالي إجبار عشرات الآلاف من العرب العنيدين الذين بقوا في الجليل على الهرب، لأن هؤلاء السكان العرب سيضربون مؤخرة جيشنا في حال وقوع غزو عربي، لقد حاولنا استخدام تكتيك اعتمد على الأثر الذي خلفه سقوط صفد وهزيمة العرب في المنطقة التي تم تطهيرها بواسطة العملية ماتاتيه - أو المكنسة – وقد أدى هذا التكتيك عمله بشكل معجز، لقد قمت بجمع المخاتير اليهود الذي لهم اتصالات مع العرب وطلبت منهم أن يهمسوا في آذان بعض العرب بأن تعزيزات يهودية ضخمة قد وصلت إلى الجليل، وأن اليهودي سيقوم بإضرام النار في جميع قرى الحولة، لقد انتشرت الإشاعة في جميع مناطق الحولة، وحققت هذه الخطة هدفها بالكامل، فلقد سقطت بناية مركز الشرطة في الخالصة دون إطلاق رصاصة واحدة من جانبنا، وجرى تطهير مناطق واسعة، وزال الخطر عن طريق النقل والمواصلات، وأصبح بإمكاننا أن ننظم أنفسنا ضد الغزاة على طول الحدود دون أن نخشى شيئاً بالنسبة لمؤخرتنا . وقد أكد ذلك بن غوريون بقوله إن العرب لم يدخلوا ولم يحتلوا أية مستعمرة يهودية مهما كانت بعيدة قبل خروج القوات البريطانية من فلسطين، بينما احتلت الهاجاناه عدة مواقع عربية و(حررّت) طبرية وحيفا ويافا وصفد، وهكذا كان الجزء الذي كان مفروضاً أن تبدأ فيه قوات الهاجاناه أعمالها قد "نظف" من العرب في ليلة القدر 14 مايو 1948

وهكذا وقبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين كانت المنظمات الصهيونية قد تمكنت من السيطرة على فلسطين وجعلها قاعدة لتحقيق باقي الحلم الصهيوني المتمثل في إقامة (مملكة إسرائيل الكبرى) وعشية توقف المعارك كانت العصابات اليهودية قد دمرت ما يقارب من 472 قرية ومدينة فلسطينية بعد ارتكاب المجازر ضد النساء والشيوخ والأطفال

الترانسفير خلال الفترة 1948 –1967

عندما قامت القوات الصهيونية في العام 1948 بتطويق واجتياح المناطق الفلسطينية منطقة تلو الأخرى، هرب معظم المدنيين الفلسطينيين، إلى ما وراء خطوط العدو، عندما عمدت الوحدات العسكرية الصهيونية إلى احتلال الممتلكات الفلسطينية لكي تسلمها فيما بعد إلى السلطات المحلية اليهودية أو إلى زعماء المستوطنات، وشرعوا في إحلال اليهود مكان الشعب الفلسطيني الذي شرد وشتت في كافة أنحاء الأرض طلباً للنجاة والأمن من القتل والإرهاب الصهيوني الذي مورس بحقه

وحينما تفقد بن غوريون أحياء القدس الغربية، قال أن القدس لم يسكنها مثل هذا العدد من اليهود منذ تخريب مملكة سليمان، وها هي القدس الغربية لا يوجد فيها عربي واحد، وحينما زار مدينة حيفا وشاهدها خاوية على عروشها، وخالية من السكان العرب إلا ما نذر فوجئ بهذا المنظر العجيب وقال سنملأها بالسكان اليهود الذين سيعيدون إعمارها، وروعتها، أكثر مما كانت عليه، وبعد أن أعجب لأوضاع القدس وحيفا هذه التي لم يتوقعها أمر بإخلاء جميع العرب حتى المناطق المخصصة لليهود بقرار التقسيم بكل طريقة ممكنة

وقد بلغت عملية استبدال المجتمع الفلسطيني بكيان المستوطنين حدوداً تثير السخرية، فقد روي أن نزاعات نشبت بين المستعمرات المجاورة حول اغتنام المحاصيل العربية واقتسام الحقول، وكان الصهاينة، يقومون بحرق الحقول لمنع المزارعين من غرسها أو جمع حصادها بهدف حملهم على النزوح، إلى أن أدركوا أنهم بحاجة إلى المنازل الجاهزة والمساحات والأراضي الزراعية الصالحة، فتحولوا سريعاً إلى تهجير السكان دون المساس بالممتلكات كما استندت حكومة الكيان الصهيوني الوليد إلى مجموعة من الإجراءات التي كانت تهدف إلى مواصلة، السياسة التفريقية، فمنعت حرية التنقل، وواصلت العمل بقوانين الطوارئ البريطانية، كما قامت بتدمير أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية، وقد قدرت المساجد والكنائس التي دمرت بحوالي 350 مسجداً وكنيسة

وبحلول شهر مايو 1949 كان الصهاينة قد أقاموا 1947 مستعمرة على أنقاض القرى والمواقع التي غادرها أهلها هرباً أو طرداً، وحتى شهر أكتوبر من العام نفسه كان قد وصل إلى الكيان الصهيوني 25255 مهاجراً يهودياً من مختلف البلدان ومما يدلل على مدى أهمية التهجير والاستيلاء على المنازل العربية للمشروع الصهيوني، فقد عبر الصهاينة عن الأهمية الاستثنائية للمدن والقرى الفلسطينية المدمرة والمهجر أهلها، بافتتاحهم رسمياً، مستوطنة جديدة فوق مسرح مجزرة دير ياسين، بعد سنة واحدة، في حضور وزراء عدة من حزب العمل وحاخامات ورؤساء بلديات

وبعد قيام الكيان الصهيوني أصدر العديد من القوانين لخدمة أهدافه وغاياته، وكان من بين تلك القوانين قانون العودة في ديسمبر من عام 1951، والذي حُدد بموجبه الحق لكل يهودي في دخول (إسرائيل) والإقامة فيها، ثم تلاه قانون الجنسية عام 1952 وبمقتضاه يعتبر كل يهودي مهاجر مواطناً (إسرائيلياً) هذا في حين تم طرد الشعب الفلسطيني وتشريده من وطنه وحظرت عودته إليه، بينما أصبح لليهود حق أزلي في فلسطين

وفي العام 1965 أصدر الكيان الصهيوني قانوناً يعد كل من غادر المناطق التي تحتلها (إسرائيل) إلى خارج فلسطين، أو إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات عربية في فلسطين مهاجراً، وغائباً عن أرضه ولذلك فإن ملكيتها تعود للدولة، وبموجب هذا القانون أستملك الكيان الصهيوني مليوني دونم من الأراضي العربية التي أصبحت بحوزتهم علاوة على مليونين وتسعمائة دونماً من الأراضي العربية مع 73 ألف غرفة من بيوت السكن التي أخلاها أصحابها، و 7800 محل تجاري في المدن والقرى التي تركها أصحابها بجميع محتوياتها من الأثاث والبضائع وغيرها

من خلال ما سبق نستطيع القول أنه خلال الفترة الممتدة بين عام 1948 وحتى عام 1967 بأنها الفترة التي تحقق فيها الحلم الصهيوني بتأسيس كيان صهيوني على أرض فلسطين وتشريد غالبية سكان فلسطين عن أراضيهم 78% من مجموع مساحة فلسطين). وهي الفترة التي نشطت فيها وبشكل كثيف عملية طمس الوجود العربي ومظاهر (المدن والقرى) وإحلال الوجود اليهودي مكانه، إنها الفترة التي جرت ومنذ بدايتها عمليات تطويق الوجود العربي الضئيل المتبقي على أرضه ضمن الدولة اليهودية. هذه المحاصرة التي استخدمت فيها كل القوانين وتمت فيها كل تلك المصادرات من عمليات الجيوب العربية المتبقية

منذ العام 1967

يعد احتلال الكيان الصهيوني للمناطق العربية في حرب 1967، تطوراً أساسياً فيما يتعلق بإمكانية استكمال المشروع الصهيوني، إذ أصبحت فلسطين بكاملها إضافة إلى أراض عربية أخرى تقع تحت السيطرة الصهيونية. ومنذ تلك السنة بدأ بإنشاء المستعمرات المتفرقة في مختلف المناطق المحتلة، وقد تصاعدت حمى الاستيطان بصورة لم يسبق لها مثيل وجرى التركيز على الاستيطان داخل المدن العربية الكبرى أو حولها، بدأت تقوم كتل استيطانية تشمل كل منها عدداً من المستوطنات، وبلغت نسبة الأراضي التي سيطرت عليها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية أكثر من 50% من مجموع الأراضي، وتم رسمياً ضم القدس إلى (إسرائيل) في 30 يوليو 1980، ومرتفعات الجولان في 14 ديسمبر / كانون أول 1981، وباتت مناطق عدة أخرى مهددة بالمصير نفسه، مصير التهويد التدريجي الذي يفضي إلى الضم الكامل . وقد نظر الصهاينة إلى الاستيطان في الضفة الغربية من منظار استراتيجي إذ اعتبروه ركيزة أساسية في سيطرتهم على الضفة الغربية والوسيلة الأنجح في محاصرة القرى والمدن العربية وتهجير سكانها. إذ قال مردخاي تسيبوري في خطاب له في افتتاح مستعمرة عناب قرب عنبتا في جبال نابلس إن استمرار الاستيطان هو العمود الفقري للحركة الصهيونية في الضفة الغربية، وهو الوسيلة الوحيدة لإفشال أي مبادرة سياسية ترمي إلى إرجاع الحكم الأجنبي إلى يهودا والسامرة، إن وجود أغلبية عربية في الضفة الغربية يجب أن لا يثني السلطات الإسرائيلية عن تسريع عملية الاستيطان، لقد ولدت في بتاح تكفا التي كانت محاطة بالعديد من القرى العربية مثل كفر عانه وأبو كشك والخيرية، وليس لهذه القرى أي آثار باقية الآن، وقد بقيت بتاح تكفا .

وبالرغم من التشابه في المخططات الاستيطانية، إلا أن عمليات الاستيطان بعد العام 1967 تمتاز بأمرين :أنه استيطان رسمي تتولى الحكومة الإسرائيلية (الصهيونية) الإشراف عليه وتمويله من ميزانيتها ويقتصر دور المنظمات الصهيونية والاستيطانية الأخرى على دعم جهود الحكومة في هذا المجال

أن هذا الاستيطان يتم في مناطق ما زالت مأهولة بالسكان العرب الذين يشكلون الأغلبية الساحقة فيها وعلى أراضي يملكها أصحابها العرب، وبالتالي فإن عمليات الاستيطان هذه ترتبط بقضية التخلص من عنصر السكان العرب المقيمين على هذه الأراضي لضمان نجاح المشروع الاستيطاني

ولكي يتفادى قادة الكيان الصهيوني التغير الديمغرافي الذي أحدثته سياستهم التوسعية في الاستيلاء على الضفة الغربية وأجزاء من الدول العربية فقد شرعت قوات الاحتلال الصهيوني ومنذ بداية استيلائها على الأراضي العربية بعمليات هدم الأحياء والقرى والمخيمات الفلسطينية، وتم تشريد الفلسطينيين، خارج وداخل حدود فلسطين، وبدأت عمليات الاستيلاء السريعة على الأراضي، وإقامة المستعمرات اليهودية سواء في قلب المدن العربية أو حولها، أو في أراضي القرى العربية المنتشرة في كل أرجاء الضفة الغربية سواء في المنطقة الجبلية أو في الأغوار الفلسطينية. فقد تم في عام 1967 هدم حارة المغاربة داخل أسوار القدس، وكذلك تم هدم قرى بيتر نوبا ويالو وعمواس إلى الغرب من رام الله في منطقة اللطرون وقرى العجاجرة والمخزوق والستارية في منطقة الأغوار، وتم تشريد سكان هذه القرى، كما تم تشريد سكان المخيمات الفلسطينية في منطقة أريحا

ولكي تؤدي تلك الحملات ثمارها في تشريد الشعب الفلسطيني فقد رافق سياسة البطش الصهيوني حملات إرهابية بهدف ترويع وتخويف السكان المدنيين لإجبارهم على الجلاء عن أراضيهم كما حدث في العامين 1947 – 1948، ففي مدينة رام الله، قام أفراد الجيش الصهيوني بالتعرض لبعض الفلسطينيين فقتلوهم وحرقوا جثثهم

وتتجلى بشاعة صور الإرهاب الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في رواية إحدى أفراد عصابات الجيش الصهيوني حين يروي ما فعلوه بحق الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى ديارهم بعد نهاية حرب العام 1967 فيقول كان الفلسطينيون في كل ليلة يحاولون اجتياز نهر الأردن، والعبور إلى الضفة الغربية، وكانت لدينا كمائن على طول النهر، ولدينا أوامر من قيادة الجيش بأن نطلق النار على كل من يعبر النهر من رجال أو نساء أو شيوخ وحتى الأطفال كانوا ينالون نصيبهم من القتل، وفي اليوم التالي نقوم بعملية تمشيط في المنطقة، وإذا وجدنا من هو حيّ أو جريح، كنا نجهز عليه وكنا نهيل التراب على الجثث القليلة العدد في حين كنا نستدعي الجرافة العسكرية لدفن الجثث كثيرة العدد حفاظاً على البيئة

بعد تلك الممارسات الإرهابية بحق الشعب الفلسطيني فقد نجح الصهاينة بعض الشيء في تحقيق أحلامهم بطرد المدنيين الفلسطينيين من أراضيهم، فبينما كان عدد سكان الضفة الغربية قبل الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 حوالي 845 ألف فقد انخفض هذا العدد إلى حوالي 600 ألف في نهاية العام. وفي قطاع غزة كان عدد السكان قبل الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 حوالي 385 ألف انخفض هذا العدد في نهاية نفس السنة إلى حوالي 380 ألف

وهكذا يكون الإرهاب الصهيوني قد أدى إلى تهجير آلاف الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن، وإلى بعض الدول العربية الخليجية، واستمرت عملية الطرد. وخلال ذلك كان الطرد الفردي هو الغالب واتبعت السلطات الصهيونية ذات الأساليب التي اتبعتها بعد عام 1948

من خلال تلك المتابعة نرى أن الكيان الصهيوني قد اختط لنفسه فكرة فرض الأمر الواقع عن طريق بناء وقائع مادية لدعم الأهداف السياسية وتشكيل عملية الاستيطان الفعلي حجر الزاوية في تطبيق هذا الأسلوب، فلا تكتفي سلطات الكيان الصهيوني بإعلان حقها في الضم والسيطرة وإنما تدعم ذلك بإنشاء المرافق والمساكن والأحياء ونقل السكان لتثبيت ما تدعيه من حقوق على هذه المناطق، كما اعتمد الكيان الصهيوني تلك السياسة لبسط نفوذه ومد سيطرته لتحقيق مقولة "إسرائيل الكبرى" وهو ما أكدته رئيسة وزراء ذلك الكيان غولدا مائير بقولها لم نعين ولن نعين لنا حدوداً، نحن الذين نعين الحدود في أي مكان، في أي مكان نستوطنه وتدافعون فيه عن البلد سيكون ذلك حدودنا وعليه فإنه تظهر لنا حقيقة الخطر الصهيوني في تصريحات وممارسات ومواقف قادة الكيان الصهيوني الذين يضعون دعواتهم للمزيد من الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين في أطر أيديولوجية قومية ودينية، ولكنها في حقيقة الأمر ما هي إلا للتمويه على حقيقة هدفهم السياسي القائم على التوسع والعدوان ووجوب توفر العامل البشري من أجل شن الحروب العدوانية والاستيطان في الأراضي المحتلة لتهويدها وتخليد احتلالها وإجلاء سكانها الفلسطينيين عنها

وقائع استيطانية

عدد المستوطنات الاسرائيلية في

الضفة الغربية : 150 مستوطنة يسكنها 141 ألفاً

القدس الشرقية : 10 مستوطنات يسكنها 170 ألفا

قطاع غزة 16 مستوطنة يسكنها ستة آلاف

مرتفعات الجولان 36 مستوطنة يسكنها 12 ألفا

عدد السكان العرب في

الضفة الغربية : مليون عربي

القدس الشرقية 180 ألفا

قطاع غزة 830 ألفا

مرتفعات الجولان 15 ألفا

تصاعد أعداد المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القدس الشرقية منذ عام 1976 وحتى عام 1995

عام 1976 بلغ عددهم 3176

عام 1977 بلغ عددهم 4400

عام 1978 بلغ عددهم 7361

عام 1979 بلغ عددهم 10 آلاف

عام 1980 بلغ عددهم 12424

عام 1981 بلغ عددهم 16119

عام 1982 بلغ عددهم 21 ألفا

عام 1983 بلغ عددهم 22800

عام 1984 بلغ عددهم 35200

عام 1985 بلغ عددهم 44100

عام 1986 بلغ عددهم 51100

عام 1987 بلغ عددهم 57700

عام 1988 بلغ عددهم 63600

عام 1989 بلغ عددهم 69000

عام 1990 بلغ عددهم 76000

عام 1991 بلغ عددهم 92000

عام 1992 بلغ عددهم 112000

عام 1993 بلغ عددهم 120000

عام 1994 بلغ عددهم 135000

عام 1995 بلغ عددهم 145000