كانت الرياح في تلك الليلة عاصفة .. جعلت من أمواج المحيط الهندي جبالاً متحركة .. جعلت من القارب الشراعي الذي استقله رعد برفقة والديه لعبة أشبه ما تكون بألعاب الملاهي حين تصعد بك عالياً إلى أقصى ارتفاع ثم تهوي بك سريعاً حيث يمكن أن تشاهد جدران الموجة من الداخل ..

كان الليل قد حل لتوه بينما القارب في عرض البحر .. وبدا لرعد ووالديه أنها لن تكون ليلة سهلة فقد تجمعت في السماء السحب كمشكاة أضاءت السماء من أقصاها إلى أقصاها فبدا المحيط أمامهم مجرد بقعة سوداء واسعة لا يكادوا يرون فيها أيديهم إن هم أخرجوها ..

لكن القارب الكبير المجهز بوسائل الراحة المختلفة كان متماسكاً .. صامداً في وجه الرياح العاتية ..

بصعوبة شديدة استطاع " أدهم " والد " رعد " أن يطوي الشراع كي يخفف من ضغط الرياح العاتية على القارب .. وذلك بعد أن شعر بالفدة تكاد تفلت من يديه وبالشراع يكاد يتمزق .. فلم يكن أمامه خيار آخر ..

في الداخل كانت الأم بسمة تعد لهما طعام العشاء .. وجبة بحرية اعتادوا عليها طويلاً منذ بدءوا جولاتهم البحرية حول العالم للدفاع عن قضايا البيئة .. فكلا والدي " رعد " أستاذ في علوم البحار .. لكنهما تركا قاعات التدريس وخرجوا إلى الواقع ليقدموا شيئاً للبيئة .

شق البرق السماء بعيداً عند التقائها بأطراف المحيط فأضاءت صفحة الماء .. كان رعد يتأمل بدهشة عروق البرق وهي تضرب السماء وتنعكس فوق سطح المحيط .. ولحسن حظه لاحظه والده فأمره فوراً بالدخول إلى الغرفة .. وببراءة سأله رعد : " لماذا يا أبي ؟ إنني أشاهد عروق البرق لأول مرة كاملة في السماء ؟ " ..

فأجابه والده : " لا تحملق يا فتى هكذا في البرق .. هل تحب أن يخطف بصرك " .. لكن رعد سأله وهو يدلف إلى الغرفة : " ولماذا خلعت ساعتك حين شاهدت البرق يضرب السماء ؟ " .. فأجابه والده الذي كان قد فرغ لتوه من طي الشراع : " ألا تعلم يا بني أن المعادن كالمغناطيس بالنسبة للبرق ؟ إنها تجذب إليك شحنات البرق وهو ما قد يعني نهايتك " ..

فسأله رعد : " وهل البرق خطر ؟ " .. قال وقد قطب بين حاجبيه : " طبعاً يا رعد .. إن شحنته يمكن أن تحرق قرية كاملة .. لقد قتلت ذات يوم من أيام شهر يناير قبل أحد عشر عاماً أحد أصدقائي المقربين وكان معي في رحلة بحرية في بحر العرب " ..

وكانت الأم قد أعدت المائدة .. بينما الرياح تصفر في الخارج كما لو كانت تصرخ .. ولم يكف القارب عن التمايل يميناً ويساراً والصعود والهبوط والارتجاج .. ولاحظ " رعد " كل ذلك بعين محبة للمعرفة حين كان يرى ساعة الحائط تتمايل يميناً ويساراً في حركة لا تنتهي ..

لاحظ " رعد " صمت والديه وهما يتناولان طعام العشاء وكأنهما يتخوفان من شئ ما .. فسألهما ببساطة : " هل نحن في خطر ؟ " .. قال والده بعد تفكير : هذه العاصفة الاستوائية أكثر ما يخشاه البحارة .. إنهم يسمونها العفريت لأن فيها ترتفع أعمدة المياه إلى أكثر من مائتي متر كما لو كانت مارد عملاق " .. وقالت الأم : " هل شاهدت يا رعد عاصفة استوائية من قبل ؟ " ..

هز رعد رأسه نافياً .. فاستطرد الأب موضحاً : " كان صغيراً جداً يومها .. تذكرين العاصفة التي خسرنا فيها قاربنا الأول قرب سومطرة ؟ " .. أومأت الأم برأسها موافقة : " بالطبع " ..

فتح الأب باب الغرفة بعد الانتهاء من تناول طعام العشاء وهم بالخروج لكن عاصفة من الرزاز الصغير وقطع البرد منعته من الخروج للحظات لكنه أصر على الخروج وجذب وراءه بصعوبة باب الغرفة ..

حاول " رعد " أن يتبعه ليرى ما سيفعل فقد كان شديد الفضول لكن أمه منعته وقالت له بينما كانت تمسك بيده اليمنى : " هل تريد أن تموت ؟ " .. ولمع شئ في عين رعد وانتابته رعشة فبقي في مكانه وانتظر عودة والده .. لكن والده تأخر فظل رعد يائل نفسه : " ترى هل ابتلعه المحيط ؟ " .. ترى ماذا حدث للأب ؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة .. تابعونا ..


Powered by counter.bloke.com

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الطفل العربي 2001 - 2003 ©