بقلم / يوسف الرفاعي


أحرق الأعداء بيت " جاسر " وأسرته فأتت النيران على أثاث البيت وكان أثاثاً فقيراً لكنه كان بالغ الأهمية بالنسبة لأسرة فارس الصغيرة .. فذاك السرير العتيق شهد ميلاد " حسناء " ومن بعدها " فارس " .. كما شهد وفاة أمهما والتي كانت الحدث الأكثر حزناً في حياة والده .. كان هناك أغراض كثيرة أتت عليها النيران التي شبت في غياب رب الأسرة .. كان يعمل في الحقل حينما جاءه النبأ : " لقد أحرق اللصوص بيتك وبيوت عدد من أهل القرية " .. فصرخ في وجه من أبلغه النبأ : وحسناء وفراس ؟ .. فأجابه : أنقذهما القدر

كاد الوالد يطير من الفرحة لنجاة حسناء وفارس .. لكنه كان قلقاً بشدة مما حدث فمنزله استغرق منه عشرة سنوات ليتم بناءه .. وأثاثه المحترق لن يعوضه بسهولة .. وحين وصل إلى المكان وجد منزله قد تحول إلى رماد ولم يبق منه سوى بعض العوارض الخشبية التي كان الدخان لازال يتصاعد منها .. كان أهل القرية الذين هرولوا لإنقاذ طفليه ملتفين حولهما بينما حملت حسناء الصغيرة شقيقها الرضيع وعلامات الخوف تشكل ملامحها الرقيقة

لم يصدق نفسه حين رأى صغيرته وطفله الرضيع على قيد الحياة وأقسم أن ينتقم من أعدائه ولكن بعد أن يؤمن مكاناً لطفليه .. عرضت عليه نساء العائلة أن يتكفلن بطفليه الذين لم يعد لهما مأوى بعد ما حدث .. ولكنه بعد رفض اختار " نائلة " ابنة عمه الوحيدة لتربي صغاره لأنه من الآن فصاعداً سينضم إلى جيش القرية الذي وهب نفسه للصد عن القرية وحمايتها من الأعداء .. وكانت نائلة قد تزوجت قبله بعدة سنوات وأنجبت ثلاثة بنات أكبرهن كانت في العاشرة

وما أسعده أن حسناء وفارس اطمئنا لحضن نائلة الدافيء وعاملتهما هي بحنان كأنهما طفليها .. أما هو فقد انتقل إلى حيث يجتمع جيش القرية كل مساء ليبحث مايمكنه أن يقدمه لقريته الصغيرة .. لم يكن جيشاً بمعنى الكلمة بل تجمعاً يضم عشرين شاباً قوياً من خيرة شباب القرية .. تسلحوا بالفؤوس والنبال وبعضهم كان يملك خناجر حادة النصل أو عصي قوية لا تكسر

في البداية عرضوا عليه ألا يترك طفليه وحيدين ويعود ليكفلهما خاصة وأنه تجاوز سن الشباب حيث كان قد بلغ لتوه سن الأربعين .. إلا أنه غضب بشدة وأكد لهم أنه قوي بما يكفي لقتل خمسة لصوص في وقت واحد .. وكان يتسلح بثلاثة أسلحة أولها سيفه الذي ورثه عن أجداده وكان ذلك السيف معروفاً باسم " المدرع " لأنه كانت به نتوءات صلبة تجعله غير قابل للكسر .. والسلاح الآخر كان خنجراً من الصلب مرصعاً بجوهرة زرقاء لم يكن يعرف قيمتها الحقيقية إلا أنها كانت غريبة فعلاً إذ تضوي بنور سحري عندما يكتمل القمر في الليلة الرابعة عشرة من كل شهر .. وبالإضافة إلى ذلك كان يحمل كرة حديدية زنتها خمسة عشر كيلوجراما متصلة بها سلسلة قوية من الصلب كان والده قد ورثها عن جده وقد كانت سلاحاً فتاكاً قتل به عشرين من الأعداء في معركة قبل ثلاثين عاماً

كانت لهجة " جاسر " الحاسمة وكلماته القاطعة غير قابلة لمزيد من النقاش فقرروا انتخابه قائداً لجيش القرية .. وعلى الفور قرر زيادة عدد الجيش إلى الضعف بأن يطلب من كل أسرة في القرية أن تمد جيشها بأقوى شبابها ورجالها .. وحين تمكن من رفع عدد أفراد جيشه إلى الخمسين رجلاً بدأ تدريبهم على فنون القتال والدفاع عن النفس وبخاصة القتال ليلاً .. وبدا كأنه يستعد لمعركة فاصلة مع هؤلاء اللصوص

وفي إحدى الليالي المقمرة .. حدث ما كان يترقبه منذ بدأ تجهيز جيش قريته .. فماذا حدث ياترى


Powered by counter.bloke.com

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الطفل العربي 2001 - 2004 ©